الإثنين , أكتوبر 14 2019

الطريق الى نبع الوجود (14) – د. جاسم حسن العلوي

الطريق الى نبع الوجود (14)

رحلة الحائرين إلى الله

قراءة في كتاب “وجود الله بين العلم و المنهج العلمي” 

القسم الثاني

الكاتب : علي ديلان

فما هي نظرية الاحتمال في الرؤية التي أفصح عنها كتاب ” الأسس المنطقية للإستقراء ” و التي اعتمدها الـ”ديلان” بكاملها في كتابه ؟

نظرية الاحتمال: الأساس المنطقي لتنمية الإحتمال

 ذكرنا في القسم الأول أن السببية و قوانينها هي من المبادىء المعرفية الضرورية للمعرفة البشرية و لكن ما يميز هذه النظرية التي أرساها السيد محمد باقر الصدر في كتابه “الأسس المنطقية للإستقراء” هي عدم الأخذ بالسببية العقلية كمبدأ ضروري ، و قد أثبت السيد محمد باقر الصدر إن الدليل الإستقرائي قادر على إثبات السببية بإعتبارها أمرا محتملا و من ثم تنمية الإحتمال وصولا إلى أعلى درجات التصديق بهذا المبدأ. و بالتالي فإن الدليل الإستقرائي قادر و بكفاءة عالية على إثبات هذا المبدأ دون الحاجة إلى اعتباره ضرورة عقلية فوق التجربة. و بعد إثبات السببية يمكن إثبات التعميم و الإطراد بين الحوادث المتعاقبة. (ص 211).

هناك شكلان لتنمية الإحتمال ، يوجز الـ”ديلان” الحديث عنهما:

الشكل الأول:  يتعلق في إثبات سببية حادثة لحادثة أخرى كسببية (أ) لـ (ب) إعتمادا على نظرية الإحتمال ومبادئها وقواعدها.

تتمثل الطريقة الإستقرائية – الصدرية ( نسبة لمبدعها السيد محمد باقر الصدر ) في إثبات سببية ( أ) لـ (ب) على أربع تطبيقات مختلفة تعتمد على الموقف القبلي من السببية لكن الـ”ديلان” في الكتاب يوظف نظرية الإحتمال في التطبيق الأول فقط (ويمكن لمن أراد أن يقف على التطبيقات الأربع أن يراجع كتاب “الأسس المنطقية للإستقراء”). و في التطبيق الأول نفترض أنه لا يوجد مبرر قبلي لرفض السببية العقلية بين (ا) و (ب) مع فرض علمنا المسبق باستحالة و جود الصدفة المطلقة ، أي وجود (ب) بدون سبب (ص 213).

نحتاج في تطبيق نظرية الإحتمال على هذه التطبيقات الأربع إلى علم إجمالي قبلي و علم إجمالي بعدي. لقد ذكرنا أن كل إحتمال إنما يقوم على أساس علم إجمالي ، و هذين العلمين الإجماليين – القبلي و البعدي – يشكلان الأساس لتنمية احتمال السببية. في التطبيق الأول لدينا موقف قبلي باستحالة الصدفة المطلقة ، يعني أن (ب) لها سبب و لنفترض أن السببية محصورة بين (أ) أو (ت). فلو أجرينا تجربة و أثبتنا أن (ب) قد وجدت مقترنة بـ (أ) لما كان ذلك دليلا قاطعا على العلاقة السببية بينهما لأن من المحتمل جدا أن تكون (ب) قد وجدت في لحظة إجراء التجربة لوجود سبب آخر و هو (ت). و لو أجرينا تجربة ثانية و نجحت في الكشف عن اقتران (ب) بـ (أ) ، فإن ذلك أيضا لا يعد سببا كافيا لإثبات العلاقة بينهما ما دام السبب (ت) لا زال محتملا. لكن بعد تجربتين ناجحتين فإنه يمكن تنمية احتمال السببية بين (أ) و (ب) بواسطة العلم الإجمالي وفقا لنظرية الإحتمال ، حيث يتكون لدينا مجموعة مكونة من أربعة أعضاء في العلم الاجمالي البعدي و هي تمثل الحالات الأربعة المحتملة لسببية (ت) و هي:

  • أن (ت) لم توجد في في التجربتين ،
  • أن (ت) وجدت مع التجربة الأولى فقط،
  • أن (ت) وجدت مع التجربة الثانية فقط،
  • أن (ت) وجدت مع التجربتين.

و هذه الحالات الأربعة متساوية من حيث قيمة الاحتمال و هي تشكل مجموعة أعضاء العلم الاجمالي. نلاحظ في هذه الحالات الأربعة أن ثلاثة منها تستلزم سببية (أ) لـ (ب) (3/4) لأن ( ت ) غير موجودة إلا في تجربة واحدة على الأقل. فلا يمكن تفسير وجود (ب) إلا على أساس سببية (أ) له. أما الحالة الرابعة فهي حيادية تجاه سببية (أ) لـ(ب) فإن درجة الاحتمال لسببية (أ) في الحالة الرابعة هي (½(1/4)) . و بالتالي فإن درجة احتمال سببية (ا) لـ (ب) بعد تجربتين ناجحتين هي (3/4 + ½(1/4)= 3.5/4=7/8). و لو أجرينا ثلاثة تجارب ناجحة فإن احتمال سببية (أ) لـ (ب) يزداد ليصبح (7.5/8= 15/16).

أما إذا افترضنا أن وجود سبب ثالث محتمل لـ (ب) و هو (ج) فيتكون لدينا مجموعة من ثلاثة أطراف تشكل العلم الاجمالي القبلي لسببية (ب) و هي ( أ، ت ، ج). فبعد تجربتين ناجحتين يتكون لدينا علم إجمالي بعدي تشتمل على 16 حالة. تسع حالات ( 9/16) تصب لصالح سببية (أ) لـ(ب) حيث تفترض عدم التكرار سواء في ( ت ) أو ( ج) ، و ست حالات تفترض التكرار في أحدهما و بالتالي فإن نصفها يصب في سببية (أ) لـ (ب) (½ (6/16)) وصورة واحدة تفترض تكرارها معا و هذه حيادية تجاه سببية (أ) لـ(ب) و بالتالي فإن درجة احتمال سببية (أ) لـ (ب) تصبح في هذه الصورة (1/3 ( 1/16)) . و عند جمع هذه القيم الاحتمالية فإن درجة سببية (أ) لـ (ب) تصبح 37/48. و كلما ازداد عدد التجارب فإن احتمال سببية (أ) لـ (ب) يزداد.

و هذه الطريقة إنفرد بها السيد محمد باقر الصدر في قبال ما هو معروف عند علماء الاحتمال من تطبيق علاقة بايس أو ما يسمى مبدأ الاحتمال العكسي (ص215).

الشكل الثاني: هذا الشكل من الدليل الإستقرائي يختلف عن الشكل الأول فبينما في الشكل الأول كانت سببية (أ) معلومة و شككنا في وجود سبب آخر و هو (ت) و قد لاحظنا أن لدينا علمَيْن إجماليين أحدهما العلم الاجمالي القبلي الذي يحدد قيمة الاحتمال القبلي لسببية (أ) لـ (ب) و علم إجمالي بعدي يستوعب احتمالات وجود (ت) في التجارب الناجحة و يحدد على ضؤها درجة الاحتمال البعدي لسببية (أ) لـ (ب). أما الدليل الإستقرائي في هذا الشكل يتجه لتنمية احتمال وجود (أ) على أساس علم إجمالي يضعف قيمة احتمال وجود (ت). و هنا يعدد الـ”ديلان” متابعا في ذلك السيد الصدر ثلاثة حالات:

الحالة الأولى:  إذا افترضنا أن لـ (ب) سببان: أحدهما (أ) و يعبر عن واقعة واحدة و الآخر (ت) و يعبر عن ثلاثة وقائع ( ح ، هـ ، خ ) تكون بمجموعها (ت).  وإذا كان احتمال واقعة (أ) لا يختلف عن الوقائع الثلاث و أن كل واحد من هذه الاحتمالات يساوي 1/2 ، و بهذا فإن لدينا علم اجمالي يستوعب أعضاءه ثمانية احتمالات ، سبعة منها تتضمن إنتفاء واحدة من تلك الوقائع الثلاث على الاقل مما يعني انها تستلزم وجود (أ). و أما الاحتمال الأخير الذي يفترض وجود الوقائع الثلاثة مجتمعة فهو حيادي تجاه سببية (أ) و بالتالي فإن قيمة احتمال وجود (أ) يصبح 15/16.

لكن القيمة الحقيقية للاحتمال مختلفة لأنه لدينا في الواقع ستة عشر احتمالا هي نتاج ضرب الاحتمالات الثمانية الاخرى بالاحتمالين في العلم الاجمالي القبلي. سبعة من هذه الاحتمالات غير ممكنة لانها تفترض وجود (ت) و لا تفترض اجتماع الوقائع الثلاث فتبقى منها تسع صور ممكنة ، ثمان منها يصب لصالح وجود (أ) و اثنتان منها لصالح وجود (ت) و إحدى هاتين الحالتين هي واحدة من الحالات الثمان ، و بهذا تكون قيمة احتمال وجود (أ) 8/9 .

الحالة الثانية: لنفترض أن (أ) معلوم السببية لـ (ب) و كنا نشك في سببية (ت). إن سببية (ت) تملك احتمالين (الوجود و العدم) و أحد هذين الاحتمالين و هو العدم أي نفي سببية (ت) لـ(ب) يستلزم وجود (أ). أما احتمال الوجود فهو حيادي تجاه وجود (أ). فإذا لاحظنا (ب) فسوف ينمو احتمال وجود (أ) إبتداء ويصبح قيمته الاحتمالية مع الشك في وجود (ت) هي ¾.

الحالة الثالثة: لتوضيح هذه الحالة يضرب الـ”ديلان” مثالا نضعه بين يدي القارىء كما هو لوضوحه وهو ” إذا علمنا إجمالا بأن المكتبة قد دخلها إما (س) الذي ينحصر اهتمامه بدراسة المنطق الأرسطي أو (ص) الذي له اهتمامات متنوعة منها دراسة المنطق الأرسطي ، و كان لكل منهما له احتمال (1/2) ، فإذا رأينا نوع الكتب المنتقاة للمطالعة كلها تتعلق بدراسة المنطق الأرسطي ، فسوف ينمو احتمال ان الذي دخل المكتبة هو (س) لأن (ص) المتنوع الإهتمامات إذا كانت احتمالاته ثمانية ، و أن واحدا منها فقط هو اهتمامه بدراسة المنطق الأرسطي فستكون النتيجة: 15/16 بأن الذي دخل المكتبة (س).

يتفق الإستقرائيون أن التراكم الاحتمالي يقود إلى نتائج مرضية و مقبولة و إن اختلفوا في كيفية النمو الاحتمالي. و قد استعرضنا طريقة النمو الاحتمالي بحسب نظرية الاحتمال التي أسس لها السيد محمد باقر الصدر حيث أوجد تعريفا جديدا لمفهوم الاحتمال و انفرد بحساب النمو الاحتمالي خلافا لما هو مشهور من حساب النمو الاحتمالي باستخدام مبدأ الاحتمال العكسي.

و إذا كان التراكم الاحتمالي في تجربتين ناجحتين قد أوصلنا إلى درجة تصديقية عالية فماذا ستكون علية هذه الدرجة في مئة تجربة ناجحة أو أكثر؟ بالتأكيد سوف ندفع بالاحتمال إلى اقصى درجة تصديقية ممكنة ، لكن يظل هامش ضئيل جدا لا يرقى بالاحتمال إلى درجة اليقين. فالرياضيات تعجز من أن ترتقي بجميع القضايا الإستقرائية إلى درجة اليقين فيظل دائما مقدار ضئيل جدا يحول دون بلوغ درجة اليقين. و كنا قد اشرنا إلى أن السيد محمد باقر الصدر قد كشف في كتابه الأسس المنطقية للإستقراء عن الجانب التكويني للذهن البشري الذي يرقى بالدرجة التصديقية العالية في القضايا الإستقرائية إلى درجة اليقين. و يتساءل الـ”ديلان” عن مدى واقعية التشكيك في بعض القضايا الإستقرائية التي تتمتع بوضوح تام بقوله ” فمن الذي يحتمل ولو احتمالا ضئيلا بان زوجته التي عاشت معه زمنا طويلا أنها ليست زوجته؟ و أن بغداد ليست موجودة؟ و أن الانسان إذا ما قطع رأسه سوف يموت؟…” (ص 218).

يفرق الـ”يلان” بين جهتين قد يلتبسا على البعض ، أحدهما ثبوت اليقين حين يكون الشك فيه ليس جديا و لا واقعيا و آخر موضوعية اليقين. فبعد ثبوت اليقين في الذهن يأتي السؤال عن المبرر الموضوعي الموجب لليقين ، فما الذي يبرره؟ وعدم التفريق بين هاتين الجهتين أوجد التباسا معرفيا ، فقد جزم البعض ان الحصول على اليقين في الذهن هو نتيجة التصاعد الاحتمالي الناتج من القوانيين الرياضية و كأن القوانين الرياضية هي المؤثر الوحيد على التصديق الذهني (ص 219).

كما ان البعض لم يفرق بين تصور الاحتمال و الشعور به. و هنا يؤكد ال”ديلان” على أن الانسان قد يتصور ما يشاء من الاحتمالات لكن يظل الشعور الحقيقي بالدرجة التصديقية للإحتمال ثابتا. فقد يحتمل الإنسان حقيقة وقوع حادثة بدرجة 80% و لكن يتصور خلاف ذلك بدرجة 70%. ما يود أن يقوله الـ”ديلان” أن تصور الاحتمالات الضئيلة جدا لا تؤثر بالدرجة التصديقية التي يستشعر بها الإنسان شعورا حقيقيا (ص 219).

يرى الـ”ديلان” أن تصور الاحتمال قد يكون تارة بتصور نفس الاحتمال كتصور احتمال 1/3 ، ¼، … الخ و تارة يكون بتصور الذهن لرمز الاحتمال كتصور احتمال 1 من ترليون ، فإن الإنسان غير قادر على تصور هذا المقدار الضئيل جدا من الاحتمال و إنما يكون تصوره لرمزه الرياضي. ما يود الـ”ديلان” أن يؤكد عليه هو أن كثيرا من التصورات الرياضية و الكونية و الكوانتية هي تصورات رمزية ليس بإمكاننا الحديث عنها إلا رياضيا. ففرق بين أن أتصور الصورة الرمزية للاحتمال و بين أن أدرك ذهنيا مضمون الاحتمال. إن تصور الاحتمال أو تصور رمزه الرياضي لا يؤثر على حصول اليقين الناتج من مبرراته الموضوعية. إذ يكفي في الحصول على اليقين أن يكون لدينا درجة عالية من التصديق ، ومن ثم فإن الصميم يتكفل بإفناء القيمة الاحتمالية الضئيلة ( ص220).

لكن هناك من وجه إعتراضات على موضوعية الحركة التكوينية الذهنية و بالتالي على موضوعية اليقين. يعرض الـ”ديلان” أحد هذه الاعتراضات و يناقشها.……………………… قريبا الطريق الى نبع الوجود (15).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *