الأربعاء , سبتمبر 18 2019

الطريق الى نبع الوجود (10) – د. جاسم حسن العلوي

الطريق الى نبع الوجود (10)

رحلة الحائرين إلى الله

قراءة في كتاب “وجود الله بين العلم و المنهج العلمي” 

القسم الثاني

الكاتب : علي ديلان

ذكرنا أن بوبر لا يؤمن بالقضايا القبلية التي يقوم عليها الإستقراء لأنها بذاتها قضايا إستقرائية و أنها بذلك تفضي إلى إرتداد لا نهائي. يستعيض بوبر عن هذه القضايا القبلية بما يسميه بالقضايا القاعدية و يعرف بوبر القضية القاعدية ” بأنها كل قضية يمكن أن تطرح كمقدمة لتنفيذ تجريبي ، أي كل إثبات للواقع بشكل ما ” (ص 274). فما هي مميزات القضايا القاعدية عند بوبر ؟

يستنتج الـ”ديلان” من نصوص كتاب بوبر (منطق البحث العلمي ) مميزات هذه القضايا و هي (275-278):

  • أنها قضايا شخصية أي حوادث مخصوصة في الزمان و المكان.
  • تصنف هذه القضايا كمعطيات حسية فهي تمتلك الخاصية الامبريقية.
  • لابد أن تتوقف القضايا القاعدية عند قضية نعترف بها و نقبلها. كما و يمكن أن نشتق من القضية القاعدية قضايا قاعدية أخرى.
  • يصنف بوبر القضايا القاعدية إلى قسمين: قسم منها يحتاج إلى قواعد منهجية للإعتراف به و قسم معترف بها و تعتمد عليها نفس تلك القواعد.
  • هناك نوع من العلاقة الغير تكذيبية بين القضية القاعدية و النظرية المراد تكذيبها. فيمكن للنظرية أن تصمد أمام إمتحانات قاسية إلا أنه مع ذلك لا يمكن التأكد من صحتها و إنما من الممكن تعزيزها.

و بعد أن شرحنا المنطق التكذيبي الذي يضع حدا فاصلا بين العلم الحقيقي و العلم الزائف ، نعود إلى المنهج العلمي لنتساءل على طريقة بوبر عن الحد الفاصل بين العلم و اللاعلم الذي يمكننا من تجنب تجاوز هذا الحد و إبقاء كل مراحل المنهج العلمي داخل مربع العلم الحقيقي. و السؤال بطريقة أخرى كيف نضمن لهذه المراحل عدم الوقوع في منزلق العلم الزائف؟

لا بد أن تتوفر شروط لكل المراحل الرئيسية في المنهج العلمي حتى تتحقق هذه الضمانه. و بالجملة فإن الشروط اللازم توفرها في كل مراحل المنهج العلمي هي أن نكون موضوعيين قدر الإمكان عند وصفنا للظاهرة أو الحديث عنها و أن نتجنب الذاتية و التحيزات الغير موضوعية كأن نبالغ في سرد الظواهر المشاهدة و تضخيم المصاديق المؤيدة. كما يجب أن نتجنب كل الفرضيات التي تحمل تفسيرا أكثر تعقيدا من الظاهرة نفسها أو تكون بواعثها أجندات خفية تتفق مع نظم إيمانية معينة و أن نختار منها تلك التفسيرات المحتملة و البسيطة قدر الإمكان و التي يمكن بناء تجربة لإختبارها. و في مرحلة التجريب يجب أن تقوم التجربة على المقاييس العلمية المعروفة (ص183).

الإتجاه الوضعي وخلافا للمنطق البوبري يؤمن بالمنهج الإستقرائي فقد تبنى بعض المنتمين إليه مبدأ يطلق عليه “مبدأ التحقق” ، و تبنى البعض الآخر “مبدأ التأييد” الذي أسسه كارل همبل (ص 177). إن المنطق الإستقرائي التحقيقي أو التأييدي هو المنطق السائد في ميدان العلم (ص259). فما هي أوجه التشابه و الاختلاف بينهما؟

يتشابه المبدآن: في أن كل منهما يرفض وجود معارف قبلية أسبق مما اكتسبه الإنسان عن طريق التجربة و الحس. ويعتقد كلا المبدأين بأن الحس هو المصدر الوحيد للمعرفة البشرية و أن المعرفة تنمو من خلال المنهج الإستقرائي.

و يختلف المبدآن: في أن مبدأ التحقق يبدأ من الملاحظة (أولى خطوات المنهج العلمي الحسية) بإعتبارها تمثل البداية الحقيقية لفهم الظواهر ، و أن الوصول إلى نظرية علمية صادقة أو راجحة إنما يكون عبر تراكم المؤيدات الحسية (ص268). بينما يوافق مبدأ التأييد المنطق البوبري في كون الفروض التفسيرية للظواهر الطبيعية تكون نقطة البداية في توظيف المنهج العلمي. يؤكد المنطق البوبري على تقدم الفرضية على الملاحظات و أن من غير الممكن أن تكون لدينا ملاحظات من غير فروض مسبقة (ص268). و يفترق المبدآن في أن نمو المعرفة من خلال المنهج الإستقرائي ترقى إلى مستوى اليقين وفق بعض الرؤى داخل مبدأ التحقق بينما تنمو المعرفة إلى المستوى الظني وفق المبدأ التأييدي (ص 178-179).

يرى الـ”ديلان” بأن المنهج الإستقرائي هو القدر المشترك بين المناهج العلمية جمعيا وحتى المنهج البوبري يعتمد بشكل أو بآخر على المنهج الإستقرائي (ص 179). لو التزم الباحث بالشروط التي تمنح جميع مراحل المنهج العلمي موضوعيته الكاملة ، فإننا بحاجة أن نعرف الأساس المنطقي الذي يقوم عليه المنهج الإستقرائي حتى ينقل الفرضية من كونها تفسير محتمل للظاهرة الطبيعية إلى درجة تصديقية عالية ، فما هو الأساس المنطقي للإستقراء؟

إن الفرضية العلمية التي هي تفسير محتمل للظاهرة سواء تقدمت الملاحظة وفق مبدأ التأييد أو تأخرت عنها بحسب مبدأ التحقق فإن الأساس المنطقي في الإستقراء يقوم على تنمية الإحتمال في الفرضية عبر تجميع المؤيدات و الشواهد مما يؤدي إلى تصاعد القيمة الإحتمالية للفرضية. و كلما تزايدت الشواهد و القرائن الدالة على صحة الفرضية فإن إحتمالها ينمو بصورة تصاعدية. فالتناسب بين نمو الإحتمال و الشواهد علاقة طردية. و هذا يعني أن هذه الشواهد تؤثر في درجة الإحتمال و ينقله من درجة تصديقية إلى درجة تصديقية أخرى (ص185). إن الأساس المنطقي الذي يبرر النمو الإحتمالي في الجانب الإستقرائي إنما يكون عبر نظرية الإحتمال و هي نظرية لها أهميتها في الرياضيات و العلوم و المنطق الحديث و علم المعرفة. و عن أهمية النظرية في العلم الحديث ينقل الـ “ديلان ” نصا مهما لـ “هنري بوانكارية” من كتابه “العلم و الفرضيه” يقول فيه “أن لا غنى للباحث عن إستخدام حساب الإحتمالات و من دونها سيصبح العلم مستحيلا ، و لن نستطيع لا اكتشاف قانون و لا تطبيقه”. فهل من حقنا أن نصوغ قانون نيوتن (Newton)؟ ذلك أمر لا ريب فيه ، إذ أن كثيرا من الملاحظات متطابقة معه. و لكن ألا يعزى ذلك التطابق إلى مجرد الصدفة؟ و كيف لنا – إضافة إلى ذلك – أن نعرف أن هذا القانون سيكون صحيحا السنة المقبلة ، رغم صحته منذ قرون عديدة؟ و لن تجد ما تجيب به عن هذا الإعتراض إلا أن نقول: ذلك أمر ضعيف الإحتمال” (ص 195).

إن البحث في نظرية منطقية لنمو الإحتمال يستدعي تحديد مفهوم الإحتمال ،  فما هو الإحتمال ؟ …………قريبا الطريق الى نبع الوجود (11).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *