الطريق الى نبع الوجود (7) – د. جاسم حسن العلوي

الطريق الى نبع الوجود (7)

رحلة الحائرين إلى الله

قراءة في كتاب “وجود الله بين العلم و المنهج العلمي” 

القسم الثاني

الكاتب : علي ديلان

إن جميع الصور التي ذكرناها لمبدأ أوكام تشترك في كون ” الأبسط هو الأرجح”  فما المقصود بالضبط من الأبسط المرجح للفرض العلمي في هذا المبدأ؟

يستقصي الـ”ديلان” التفسيرات المحتملة لمفهوم الأبسط في المبدأ الأوكامي. أولى هذه التفسيرات هو أن المقصود من الأبسط هو الذي يحتاج في إثباته إلى جهد إستدلالي أقل من غيره. فمثلا لو أن عمل ما تم إنجازه ، فإننا قد نفترض أن س من الأشخاص قام بمفردة بإنجاز العمل أو قد نفترض أن س قام بإنجاز العمل بمعية ص. فإننا في الفرض الثاني نحتاج إلى جهد إستدلالي أكبر من الفرض الأول. فهل الأبسط يعني الأبسط دلاليا ؟ يرفض الـ”ديلان” هذا التفسير لمعنى الأبسط في المبدأ الأوكامي ، و يكشف عن ثغرة في هذا التفسير. ينبه الـ”ديلان” إلى أن الفرضيات العلمية إنما تقع في مرحلة الإحتمالات القبلية – أي قبل التجربة – و إن هذه الفرضيات ذات قيم إحتمالية متساوية ومتكافئة. و إن مبدأ أوكام إنما يصلح إستخدامه عندما تكون هذه الفروض في مستوى رتبي واحد. أما الفروض المترتبة عموديا والتي تتطلب جهدا إستدلاليا أكبر فلا يصح تطبيق المبدأ عليها. كما لو أردنا أن نوازن بين نجاح شخص و اجتيازه الإمتحان الوزاري و بين نجاحه في إمتحان القبول ، فإن العلاقة بينهما علاقة تكاملية عمودية فلا يصح تطبيق المبدأ الأوكامي عليهما لاننا حينئذ سنطبق المنهج العلمي مرتين. يخلص الـ”ديلان” إلى أن الجهد الإستدلالي لا صلة له بالقيمة الإحتمالية القبلية لفرضيات العلمية. فالقيم الإحتمالية على مستوى الفرضية هي قيم متساوية و متكافئة و لا مبرر لترجيح أحدهما على الآخر( ص 243، 245-246).

التفسير الثاني لمفهوم الأبسط قد يعني البساطة المفاهيمية أو الوجودية.  و يوضح الـ”ديلان” المقصود من البساطة المفاهيمية بأن الفرض يجب أن يتضمن العدد الأقل من المضامين التي تفسر الظاهرة دون الحاجة إلى إضافة مضامين أخرى حتى و لو كان الفرض يضمنها فعلا. فمثلا إذا أردنا أن نفسر الكون بفعل موجود فإنه يكفينا أن نفترض في هذا الموجود القدرة و العلم و لسنا بحاجة أن نضيف على هذا الموجود أية صفات ثانية و إن كانت مما يتصف بها فعلا (ص 243). و كذلك فإن البساطة الوجودية يعني أن يكون الفرض يجب أن يحوي من الناحية الوجودية على السبب الوجودي الأقل تعقيدا و تركيبا من الفروض الأخرى. كما في المثال السابق المتعلق بالشخص الذي يسمع أصواتا لا يسمعها الآخرون ، فإننا إن إفترضنا أسباب ما ورائية للحادثة فإن هذه الأسباب الخارجة عن حدود العلم تنطوي على وجود أكثر تعقيدا ، أما الفرض الآخر الذي يربط بين سماع الشخص للأصوات و خلل ما في قشرته الدماغية ( ص243-244). مرة أخرى يرفض الـ”ديلان” هذا التفسير لأنه: “البساطة المفاهيمية أو الوجودية لا تزيد في القيم الإحتمالية للفروض إذا كان لها القدرة ذاتها على إيجاد الظاهرة قيد البحث”. و يضرب الـ”ديلان” مثالا بالطاقة الكهربائية الموجودة في المنزل. فإنه يمكن أن نفترض أن سبب هذه الطاقة المولد الموجود في المنزل أو أن نفترض أن سببها مولد خارجي أكثر تعقيدا من مولد المنزل. إن هذين الإحتمالين هما متكافئان و كلاهما يمكن أن يفسر لنا الطاقة الكهربائية في المنزل ، و لا تتأثر القيمة الإحتمالية كون المولد الخارجي أكثر تعقيدا من مولد المنزل. لذا فإن الفروض الماورائية مهما كانت درجة التعقيد الوجودي فإنه لا يشكل تعقيدها الوجودي قرينة تضعف من قيمتها الإحتمالية في مقابل الفروض الأخرى الأقل تعقيدا ، ما دامت هذه الفروض قادرة على تفسير الظاهرة. يوضح الـ”ديلان” تقييمه السلبي لهذا التفسير أكثر بهذا المثال الرائع: فلو رأينا بعض التصدعات الحفرية في الجبال و لم يكن لدينا أية فكرة مسبقة عن السبب وراء هذه التصدعات ، فإنه يمكن أن نضع فرضيتان تفسر لنا هذه التصدعات. الأولى أن هذه التصدعات إنما حدثت بفعل العوامل الطبيعية. الثاني أن تكون هذه التصدعات سببها الإنسان. فإننا بإزاء فرضيتان أحدهما أكثر تعقيدا من الناحية الوجودية من الأخرى. ففرضية الإنسان كما هو معلوم لها تعقيدات وجودية تفوق بكثير فرضة العوامل الطبيعية. فعمل الإنسان يستبطن علم و إرادة و إختيار و ذكاء و قدرة و هذه بالتأكيد نحو التركيب الوجودي المعقد بما لا يقاس بفرضية العوامل الطبيعية ، و مع ذلك فإن كلا الفرضيتان تحملان نفس القيمة الإحتمالية (ص 247).

التفسير الثالث أن يكون الأبسط هو الذي يحظى بالقبول لإنسجامه مع الطابع العلمي من غيره. مرة أخرى فإن إفتراض كائنات ما ورائية لتعليل الظاهرة هذا مما لا ينسجم مع الروح العلمية. و لذا يجب إسقاط هذه الفرضيات من الإعتبار العلمي (ص244). و يعتبر الـ”ديلان” هذا التفسير أضعف ما يمكن أن يفسر به المبدأ الأوكامي لأن الأكثر قبولا في الميدان العلمي لا يتأتى إلا بعد التجريب. إن مجرد غرابة الفرض عن الطابع العلمي السائد ليس بنفسه دليلا يسقطه من الإعتبار. فالعلم يحفل بقضايا غريبة جدا و مع ذلك نصدق بها و هي من مسلمات العلم ، و من غرائب العلم نظرية الإنفجار العظيم ، و تفسير الضوء على أنه قوة كهرومغناطيسية …الخ (ص248).

التفسير الرابع و هو التفسير الذي يتبناه الـ”ديلان” ، فالأبسط هو الذي لا يحتوي على زيادات لا مبرر لفرضها. فنحن نحتاج لتفسير الظاهرة أن نضع الفرض الذي يتضمن خصائص بقدر الظاهرة الملحوظة في مقابل أن تفترض شيئا آخر يشتمل على صفات و خصائص لا ترتبط بوجود الظاهرة. ففي فرضية الخلق نحن بحاجة إلى فرض وجود الصانع المقتدر و العليم من دون أن نضطر لافتراض صفات أخرى لا تتعلق بعملية الخلق (ص 244). و بهذا يصبح الأبسط في المفهوم الأوكامي يعني ما تتقدر به إمكانية الشيء لإيجاد الظاهرة الحسية. فالراجح من بين الفرضيات العلمية هو ما يتوفر على القدر الضروري في إيجاد الظاهرة (ص 250).

و أخيرا يضعنا الـ”ديلان” أمام السؤال الذي يتطلب إجابة مباشرة و هو لماذا يرفض علماء الطبيعة إبتداء إدخال العنصر الميتافيزيقي في تفسير الظواهر الطبيعية ؟ …………قريبا الطريق الى نبع الوجود (8).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.