الطريق الى نبع الوجود (6) – د. جاسم حسن العلوي

الطريق الى نبع الوجود (6)

رحلة الحائرين إلى الله

قراءة في كتاب “وجود الله بين العلم و المنهج العلمي” 

القسم الثاني

الكاتب : علي ديلان

بعد أن تخلص الـ”ديلان” من كل الإشكالات التي تطال المعرفة البشرية في بنيتها الأساس و نقصد بذلك المبادىء المعرفية التي ينطلق منها الإنسان و تتأسس عليها معارفه ، يحاول في القسم الثاني من الكتاب أن يحدد المنهج الذي على ضوءه تنمو المعرفة البشرية. و في هذا القسم يبدأ بتعريف معنى المنهج الذي هو طريقة في التفكير يسلكها العقل بغية الوصول إلى الحقيقة. و تتباين المناهج البشرية فيما بينها ، و لكن الشرط الأساس في أيا من هذه المناهج هو الوصول إلى أعلى الدرجات التصديقية للذهن و هو ” اليقين”. و المنهج الذي يستبطن اليقين في القضايا إذا ما صدقت كبراه و تم تطبيقها على الصغرى بصورة سليمة فإن المعرفة تكون يقينية و هذا المنهج هو المنهج الإستنباطي المعروف بالمنهج الأرسطي. و قد ذهب فلاسفة العلم في الغرب إلى رفض المنهج الإستنباطي في المعرفة العلمية لأنه ينطلق من قضايا عقلية قبلية ، و استبدلوه بالمنهج الإستقرائي الذي هو حركة الفكر من القضايا الجزئية إلى القضايا الكلية أو من الخاص إلى العام على العكس من المنهج الإستنباطي. و تفرع عن المنهج الإستقرائي إتجاهات عديدة لكن أهمها هما الإتجاه الذي يرى أن هذا المنهج يورث اليقين في المعرفة و الإتجاه الثاني الذي يورث درجة تصديقية راجحة و لكن ليست يقينية. و تطرق الى بعض الإشكالات القديمة و الحديثة المثارة حول هذا المنهج و كذلك إلى بعض العلماء و الفلاسفة الذين ناقشوا الأساس المنطقي للمنهج الإستقرائي كالفيلسوف الشهير كارل بوبر الذي رفض أسس المنهج الإستقرائي ووضع نظرية في نمو المعرفة البشرية أسماها نظرية الدحض أو التكذيب. و سنناقش مبدأ التأييد وهو المبدأ الذي إعتمده المنطق الوضعي في نمو المعرفة البشرية. و سنعدد أيضا ركائز المنهج العلمي – الملاحظة – الفرضية – التنبؤ – التجريب – المراجعة العلمية. و أخيرا ركز (الكاتب) على الأساس المنطقي للإستقراء متبنيا المذهب الذاتي في المعرفة.

يفتتح الـ”ديلان” هذا القسم بإستدراكه في نقطتين للطريقة التي يجب توظيفها في الإستفادة من المعلومات التي بحوزتنا بهدف الوصول إلى نتائج جديدة. النقطة الاولى تتعلق بمدى دقة المعلومات المتوافرة لدينا و مناسبتها من أجل توظيفها لاستخلاص نتائج جديدة. و في هذه النقطة يحاول الـ” ديلان” أن يؤكد على الخطأ الذي يرتكبه البعض عندما يستخدمون المفاهيم الخطأ و المعلومات غير المناسبة في الوصول إلى حقائق جديدة. فكما رأينا في القسم الاول فقد وظف كراوس مفهوم العدم في الفيزياء من أجل بناء رؤية كونية ، و هذا التوظيف الخاطىء لمفهوم العدم قاده إلى نتائج بالضرورة خاطئة بل هي كارثية لأنها تتعلق بمصير الإنسان. و ينبه على أنه ليس مهما أن تكون هذه المعلومات المتوفرة لدينا ذات درجات تصديقية عالية حتى تصل بنا إلى نتائج مقبولة فلسفا و بشريا. فإن درجات الصدق في هذه المعلومات مهما كانت ضعيفة فإن تراكم الإحتمالات الضئيلة على محور واحد  يمكن أن يتولد عنها نتيجة جديدة لم تكن ضمن معلوماتنا السابقة. أما النقطة الثانية التي أشار اليها هي الحاجة الى المنهج الذي هو طريقة في التفكير يعتمده الباحث في شتى المجالات. في المنهج تستجمع المعلومات  بحيث تكون منسجمة مع بعضها البعض ثم تصب في قالب إستدلالي للحصول على نتائج جديدة. و يؤكد على أن الإنسان لا يمكن أن يدير مدركاته وصولا إلى النتيجة دون أن يكون لديه منهجا خاصا في التفكير. و يعرف الـ”ديلان” المنهج على أنه ” طريقة في التفكير يسلكها العقل بغية معرفة الحقيقة أو الوصول إلى نتيجة مقبولة ” (ص 174).

المنهج لا يعد من الأصول الإدراكية لكنه طريقة إجرائية ضرورية للإنتقال من المعلوم إلى المجهول. و قد تعددت المناهج منذ نشاط الإنسان الفكري الأول لكن مهما اختلفت المناهج فإن شرطها الأساس المشترك هي أن تورث هذه المناهج أعلى درجات التصديق ، أن تؤدي إلى “اليقين”. و قد إعتبر قدماء الفلاسفة أن المنهج الإستنباطي المعروف بالمنهج الأرسطي هو المنهج الوحيد الذي يأخذ بالنتيجة إلى أقصى درجات التصديق. غير أن الإهتمام بالمنهج الإستنباطي قد تحول مع بداية العلم الحديث لصالح المنهج الإستقرائي. فما الذي دعى الغرب للتخلي عن المنهج الإستنباطي ؟ لقد تخلى الغرب عن المنهج الإستباطي لأن التجربة أصبحث في الفكر الغربي معيار الحقيقة. فالقضايا إذا لم تكن قابلة للملاحظة أو التجربة فهي ليست قضايا علمية. و من بين تلك الأسباب كما يسردها الـ”ديلان” بصورة مقتضبة: أن المنهج الإستنباطي يتميز بإشكالية أن النتيجة موجودة في المقدمات. فإذا كانت المقدمات صادقة فإن النتيجة تكون صادقة و العكس صحيح. و ثانيا أن المنهج الإستنباطي يعتمد على مقدمات عقلية سابقة على التجربة. و ينحصر المنهج الإستقرائي في إتجاهين رئيسيين: الإتجاه الاول يؤمن أن هذا المنهج قادر على إيصال النتيجة إلى اليقين. الإتجاه الثاني يؤمن بأن المنهج الإستقرائي يصل بالقضايا إلى درجات تصديقية راجحة ، فهو في أحسن الأحوال يورث الظن بهذه القضايا و ليس اليقين. لن يتعرض الـ”ديلان” إلى مناقشة المنطق الأرسطي لأنه خارج غرض الكتاب. فالكتاب يهدف إلى إثبات وجود الله عبر توظيف المنهج العلمي التجريبي. فما هو المنهج العلمي ؟

يقوم المنهج العلمي على عدد من المراحل المتعافبة التي تضمن الوصول إلى نتيجة علمية مقبولة. و هذه المراحل تتمثل في الملاحظة  الفرضية – التجربة – و المراجعة العلمية.  الملاحظة التي هي أولى هذه المراحل تعني “عملية رصد الظاهرة الطبيعية”. و يأتي بعدها الفرضية و هي” تفسير علمي محتمل لما تم ملاحظته”. و قد يكون هناك أكثر من فرضية إزاء الظاهرة الواحدة. و بعد مرحلة الفرضية تاتي مرحلة التجريب و هي المرحلة التي نتمكن بواسطتها من أن نزيد من إحتمالية الفرضية أو أن نثبت أن الفرضية محل الإختبار هي من الفرضيات الزائفة فيتم إستبعادها كتفسير محتمل للظاهرة. لكن ما الذي يضمن سلامة هذه المراحل من التحيزات المحتملة من قبل القائمين على التجربة؟ و بتعبير آخر كيف يمكن إستبعاد التأثيرات الذاتية في مجال البحث العلمي حتى نضمن قدرا كبيرا من الموضوعية لهذه المراحل؟ لقد وضع العلماء جملة من الشروط تتعلق بالملاحظة و الفرضية و التجريب. فمن شروط الملاحظة الموضوعية كون الملاحظ أو المراقب للظاهرة محايدا و مستقلا. كما يجب أن تكون هذه الملاحظة قابلة للتكرار حتى يمكن التأكد من حقيقتها. و إذا تعددت الفرضيات مثلا فإننا بحاجة إلى مرجعية علمية تقدم لنا أدلة موضوعية نرجح من خلالها فرضية على أخرى. و يأتي مبدأ أوكام أو موس أوكام كطريقة نختبر بها الفرضيات و نختار منها الأكثر إحتمالا و ترجيحا. و هذا المبدأ ينص ” بأن الإحتمال الأبسط هو الإحتمال الأرجح” (ص 181). يعتمد مبدأ أوكام على التفسير الأبسط كمعيار لترجيح فرضية على أخرى. و فائدة هذا المبدأ إنما تأتي في مرحلة الفرضية و عندما لا يكون مصحوبا بالشواهد و المؤيدات التي ترفع من القيمة المحتملة لأحد الفرضيات (ص 244).

يتناول الـ”ديلان” عدة صور محتملة لهذا المبدأ قبل أن يناقش عدد من التفسيرات التي تحدد معنى الأبسط في المبدأ الأوكامي والذي ينسجم مع المبدأ المعتمد عليه علميا و من ثم يقدم تفسيره الذي يراه مناسبا . فهل المقصود من هذا المبدأ هو أن نختار من بين التفسيرات الكثيرة تلك التفسيرات الابسط و الأقل تعقيدا؟  و يذكر الـ”ديلان” في هذا الصدد أن الملحدين حاولوا أن يستفيدوا من هذا المبدأ في إقصاء فرضية الخلق لأنها تفترض وجود أكثر تعقيدا من نفس الكون بينما يمكن تفسير بداية الكون عن طريق القانون الطبيعي. أو أن المقصود من المبدأ هو عدم صحة مضاعفة الإفتراضات من دون مبرر أو نكثر الموجودات من غير ضرورة . فالفرضيات يجب أن تكون موضوعية و لها مبرراتها العقلية و ذات إحتمال راجح عقلا. و يورد هنا الـ”ديلان” أن الملاحدة بلاحظ الكثير من نصوصهم التي تدعي أن مبدأ أوكام يقرر أن لا ضرورة ملزمة لإفتراض كائن يقبع خلف الكون و هو المسؤول عن إيجاده ، و أن كل شيء في الطبيعة لها أسبابها المادية التي تتكشف أمام الإنسان إما عاجلا أو أجلا ، و كذلك نشأة الكون و الحياة لها سببها المادي.  أو أن المبدأ يعني أنه لا ينبغي إفتراض أسباب وجودية للظاهرة من غير مسوغ. لذلك أيضا فإن الملاحدة أو اللاأدرية قد يحكموا من خلال هذا المبدأ على نفي الوجودات الميتافيزيقية و اعتبارها من العلم الزائف. بعض الفرضيات المحتملة قد تقع خارج حدود العلم و علينا إقصاء هذه الفرضيات من دائرة البحث. يضرب الـ”ديلان” مثالا ليوضح من خلاله الصورة الأخيرة الممكنة للمبدأ ، فلو سمع شخص في حال اليقظة أصوات لا يسمعها غيره ، فإن هناك فرضيتان يمكن أن نفسر بها هذه الحالة. الفرضية الأولى أن هذه الأصوات تأتي من عالم آخر مواز لعالمنا أو أنه سمعها من كائنات غير مرئية. الفرضية الثانية أن هناك خلل ما أصاب القشرة الدماغية المسؤولة عن سماع الأصوات لهذا الشخص. إن صورة هذا المبدأ و التي تستبعد الموجودات غير الضرورية لتفسير الظاهرة قد تجعل من الفرضية الأولى غير ملائمة لتفسير الحادثة و اعتبارها من العلم الزائف. إن فرضية الصانع الحكيم هي فرضية ، كما تدل على ذلك كلمات الملحدين ، أنها خارج حدود العلم و هي تكون على حد الفرضية الأولى في المثال السابق (ص 242).

 إن جميع الصور التي ذكرناها لمبدأ أوكام تشترك في كون ” الأبسط هو الأرجح”  فما المقصود بالضبط من الأبسط المرجح للفرض العلمي في هذا المبدأ؟ ………...قريبا الطريق الى نبع الوجود (7).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.