الثلاثاء , يوليو 23 2019

معالجة الإشارات الرقمية (العوامي وزملائه يطورون معالج رقمي سريع) – حسن المرهون

مقدمة:

بدأت الحاجة ملحة للإشارات أثناء الحرب العالمية الثانية عندما تم تفعيل الرادارات التي تم إكتشافها عام 1935م بواسطة الفيزيائي الأستكلندي روبرت الكساندر واتس وات. هذه الرادارات تستطيع إكتشاف الطائرات القادمة على بعد أميال لكنها لا تستطيع كشف هويتها، هل هي صديقة أم معادية؟ إستطاع الإلمان وعن طريق المصادفة إكتشاف طريقة ذكية للتعريف بطائراتهم دون سواها ، حيث لاحظوا أن الطائرة إذا شقلبت في الجو تعطي إشارة مختلفة الى الرادار. لذا تم إعطاء أوامر لكل الطيارين الإلمان أن يشقلبوا طائراتهم قبل أميال من الوصول للمطارات الإلمانية للتأكد من هوية الطائرات …. ومن هنا كانت البداية. بعدها بوقت قليل وضع البريطانيون جهازا كمرسِل في جميع طائراتهم فعندما يستلم هذا الجهاز إشارة من الرادار يقوم بإرسال أخرى الى جهاز المستقبِل الأرضي. وبعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945م كثف العلماء في أوروبا وامريكا واليابان جهودهم لفهم إشارات الراديو وكيف يمكنها تحديد الأجسام من بعد؟ واستغلت الشركات التجارية هذه الفكرة وصنعت جهاز منع السرقة في المحلات التجارية. وفي عام 1973م تم تصميم البطاقة المفتاح والتي تحوي رقما خاصا ومعلومات شخصية وهوائي صغير جدا ومرسِل يتم قرائته بمستجيب بالقرب منه. وبعدها بسنوات تم تطوير البطاقات التي تحتوي على رقاقات يمكن إستجوابها عن بعد بمستقبِل وذلك لتعقب الشاحنات والأبقار وغيرها. وفي عام 1990م طور مهندسوا شركة اي بي إم طريقة لإرسال الموجات العالية للتعريف بالمنتجات التجارية بطريقة الشفرة (BAR CODE).

ومنذ أن أثبت العالم الإلماني (هيرتز) أن الموجات الإلكترونية يمكن إرسالها بدون سلك وحتى الآن مرورا بالصربي نيقولا تيسلا والفرنسي برانلي والبريطاني فراداي والإيطالي ماركوني والكندي فيسيدون والأمريكي فورست الذي إخترع المضخم والعلماء في أرجاء المعمورة يطورون أجهزة الإستقبال والإرسال ويعملون على تحسين جودتها.

السيد لي دي فورست إخترع أول جهاز لتضخيم الموجات الإلكترونية عام 1906م مستفيدا من مصباح أديسون ونظرية الحث الكهربائي لهنري فراداي والذي تقول: عندما يتدفق تيار كهربائي في سلك يمكن أن (يوجد) يحث على تيار كهربائي في سلك آخر قريب. واستطاع فورست من إدخال  سلك معدني متعرج داخل كرة زجاجية صغيرة مفرغة من الهواء كالتي استخدمت في المصباح الذي إخترعه أديسون وطوره فلمنج. وعندما عُرّض السلك المتعرج وسط الكرة الزجاجية المفرغة من الهواء الى تيار كهربائي ضعيف تولد تيار قوي يتدفق داخل الكرة الزجاجية يمكن التحكم فيه. واستطاع هذا الجهاز والذي سمي بالصمام الثلاثي بأن يضخم الإشارة الإلكترونية الضعيفة ويجعلها قوية. وفي عام 1918م طور الإمريكي أدوين ارمسترونج جهاز إستقبال يستطيع مزج الترددات القوية وإعادة تضعيفها الى ترددات متوسطة يسهل إستقبالها والتحكم بها (Superheterodyne Receivers). وبين عام 1952م وعام 1959م إستطاع العلماء من حل مشكلة الحرارة المنبعثة من الأنابيب المفرغة للمضخم أو الصمام الثلاثي والتي تغير إتجاه الموجات في المستقبِل فتم تطوير المرسِل والمستقبِل بعد إدخال اشباه الموصلات وإضافة المكثفات للسيطرة على الحرارة الزائدة. وبعد عام 1970م تم إدخال المعالجات وانفتح الباب على مصراعيه على عالم الرقميات وما زال تطوير أجهزة الإتصالات قائم الى الآن وسيستمر.

 الطاقة الكهرومغناطيسية:

الطاقة الكهرومغناطيسية والتي هي خليط من الكهرباء والمغناطيس تسافر كأمواج البحر ولها سرعة وطول وتردد خاص بها. وتنطلق الموجات من مكان لآخر عن طريق الهواء بشكل موجات على النحو التالي: جهاز الإرسال يطلق الإلكترونات كموجات تتردد واحدة تلو الأخرى – هذه الموجات تسافر في الهواء بسرعة الضوء – وعندما تصطدم هذه الموجات بجهاز المستقبِل عبر الهوائي تهتز الإلكترونات ويتم إستقبالها كحالتها الطبيعية قبل الإرسال. فكما أن أمواج البحر تحمل طاقة تحرك الماء الى الأعلى والى الأسفل كذلك الموجات الكهرومغناطيسية تحمل طاقة غير مرئية تحرك المغناطيس والكهرباء الى الأعلى والى الأسفل. ومن خلال هوائي ضخم موصول بمحطة الإرسال تسافر هذه الحزم من الإشارات الكهرومغناطيسية آلاف الكيلومترات الى هوائيات صغيرة موجودة في أجهزة الإستقبال. وتوجد برامج عديدة لحمل الموجات الكهرومغناطيسية لضمان سلامتها ووضوحها الى المستقبِل بالتلاعب بطول الموجة (تعديل السعة AM) أو ترددها (تعديل التردد FM).

نقل المعلومات:

هناك طريقتين لنقل المعلومات من خلال الإشارات الكهربائية، التناظري والرقمي. تقنية التناظري يتم فيها ترجمة المعلومات الى نبضات كهربائية مختلفة السعة بينما تقنية الرقمي يتم من خلالها ترجمة المعلومات الى نموذج يعتمد قيمتين فقط وهما الصفر والرقم واحد. تستخدم تقنية التناظر لنقل صوت الإنسان في الهواء من المرسِل الى المستقبِل وهي معرضة للتكسر والتشويش وتتأثر بالضجيج، أما التقنية الرقمية فهي تستخدم في الكومبيوترات وأجهزة الفيديو (DVD) ولدى الموجات المنقولة بتقنية الرقمي مناعة من التكسر وهي لا تتأثر كثيرا بالضجيج. ومع الوقت تطورت أجهزة الإتصالات اللاسلكية وأصبحت لها معايير جودة عالية الدقة أهمها تعزيز الطيف الترددي والسرعة في معدلات نقل البيانات. وحتى نضمن تضخيم الموجات بإستخدام المضخمات (Amplifiers) بدون تشويش على الإشارات يجب إستخدام نظم تعديل مختلفة للحفاظ على إستقامة عالية للموجات. إن الحصول على الكفاءة والإستقامة العالية معا لأجهزة الإرسال والإستقبال هو التحدي الذي يواجهه العلماء والباحثين في المعاهد العلمية والجامعات.

د. العوامي* وفريقه العلمي والمعالج الرقمي:

يعمل العلماء على إيجاد تقنيات مختلفة لتطوير إستقامة الموجات بعد تضخيمها وإحداها تقنية إستخدام كثيرات الحدود لإلغاء التشويش. وقد تبين أن إستخدام تقنية تحسين سرب الجسيمات في الذاكرة الرقمية المتعددة الحدود قادرة على تحسين الإستقامة من مكبر الصوت. مؤخرا وبالتحديد في اكتوبر 2015م إستطاع الدكتور السيد علي السيد طالب العوامي وزملائه في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن الحصول على براءة إختراع أمريكية لخوارزم يساعد على جعل معالج الإشارات الرقمية يعمل بشكل أسرع.

إستطاع هذا الفريق أن يصمم معالجا مبني على كثيرات الحدود ذات الذاكرة خلافا للطريقة المتبعة وهي إختيار عدد الحدود مسبقا ثم العمل على إيجاد أفضل معاملات لكل حد بهدف الحصول على أفضل نموذج. وهذا المعالج المبتكر يعتمد على طريقة رياضية يمكنها من تحديد أفضل المعاملات وإجبار أكبر عدد من المعاملات لتكون صفرية وبالتالي هي تعمل على إيجاد أصغر كثيرة حدود ممكنة. ويمكن تطبيق هذا الإبتكار على أي جهاز يعمل على إرسال واستقبال الإشارات الكهربائية كالجوال والريسيفر وجهاز الصراف الآلي لإزالة التشويش للإشارات المستقبلة مما يعني توفير للطاقة وإتمام المهام الحسابية في وقت أسرع.

 

يتم إستخدام المضخمات للبث اللاسلكي بشكل واسع وهذه المضخمات تبعثر إستقامة الموجات وتؤدي الى تشويشها والعبث في مدتها الزمنية وترددها. لذا نحن بحاجة الى تقنيات لضبط هذا التشويش ولا يتأتى هذا الا بمعرفة وتحديد عمل أجهزة الإستقبال والإرسال. وملخص الإختراع الذي توصل اليه السيد العوامي وزملائه هو تصميم معالج رقمي مبني على كثيرات الحدود ذات الذاكرة للقضاء على التشويش الناتج من تضخيم الإشارات اللاسلكية بإستخدام تقنية تحسين سرب الجسيمات وهي طريقة حسابية تعتمد الخوارزميات لتحسين النتائج عن طريق تكرار العمليات الحسابية وتقدير أحجامها. وهذه الطريقة كفيلة بأن تحدد وبدقة عالية أبعاد ومقدار كثيرات الحدود للإشارات المشوشة ومن ثم توجيهها الى نموذج رياضي آخر يستخدم معكوس النموذج المستخدم لإزالة هذا التشويش.

الخاتمة:

عندما نستلم رسالة صوتية أو مرئية من خلال المذياع أو التلفزيون أو الحاسوب أو الألعاب المختلفة علينا أن نتذكر جميعا أن هذه الأجهزة التي بين أيدينا لم تصنع بسهولة وأن كل جهاز له قصة طويلة من الكفاح والعمل المتواصل روادها العلماء والفيزيائيين من جميع أنحاء العالم والذين عملوا لملايين الساعات قضوها في البحث والتأمل والتجربة، لذا كان لزاما علينا أن نحترم هذه الأجهزة ونتعرف عليها ونعرف كيف تعمل؟ وماذا تقدم؟ ولماذا تم صنعها؟ وهذا لعمري إحترام لتلك العقول التي قدمت حياتها لتطوير العلوم والمعارف الإنسانية. ونشكر دوما كل من ساهم في إضافة لبنة في هذا التراكم المعرفي المفيد للإنسانية.

د. السيد علي العوامي

*الدكتور علي السيد طالب العوامي أستاذ مساعد بقسم الهندسة الكهربائية بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن. حصل على الدكتوراه في هندسة نظم الطاقة المتجددة من جامعة واشنطن بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1432هـ. حازت أبحاثه في الطاقة المتجددة والشبكات الكهربائية الذكية على عدة جوائز دولية ومحلية من كل من جمعية مهندسي الكهرباء والإلكترونيات الدولية وجامعة واشنطن وجامعة الملك فهد للبترول والمعادن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *