الأربعاء , مايو 22 2019

الطريق الى نبع الوجود (5) – د. جاسم حسن العلوي

الطريق الى نبع الوجود (5)

رحلة الحائرين إلى الله

قراءة في كتاب “وجود الله بين العلم و المنهج العلمي” 

الكاتب : علي ديلان

و السؤال الذي يطرحه ال”ديلان” كيف جزم كراوس بأن هاتين الصفتين ، أعني التحيز و سوء الفهم ، هي من تداعيات تطور الإنسان؟ ثم يؤكد على أنه لا ينبغي أن نوافق على “أن كل موارد الوعي الجمعي قد حصلنا عليها من التطور الحيوي” (ص151). ثم يضع تساؤله التالي: ” كيف يمكننا الفرز بين إعتقاداتنا التطورية و تلك التي لم تنشأ من عملية التطور …؟” (ص151). و يعقب الـ”ديلان” كما لو أنه فهم كيف يفكر كراوس و يقول ” حسبما يمكن إستفادته من كلام “كراوس” – هو أن الوعي الجمعي إذا أمكن له معارضة الحقيقة العلمية فيؤشر هذا على أنه من آثار العملية التطورية ” (ص151). لكن هذا المعنى يوقع كراوس في صعوبات كثيرة. منها أننا حينئذ لا نملك رؤية واضحة تحدد لنا أن إعتقاداتنا هل هي نتيجة العملية التطورية أو هي إعتقادات موضوعية. فمثلا و بحسب كراوس أن وعينا الجمعي بمبدأ ” عدم خروج الشيء من لا شيء ” و كذلك فرضيات ما قبل الإنفجار و التي لم تتجاوز حد الفرضية العلمية هل هي إفرازات العملية التطورية أو هي تندرج ضمن إعتقادات موضوعية ، و هنا تكمن صعوبة هذا الفرز. ثم أننا لو فرضنا أن الوعي الجمعي يتصادم مع فرضية ما قبل الإنفجار ثم عملنا على تصحيح الفرضية فإن ذلك لا يعد دليلا على أن الوعي الجمعي هو من آثار العملية التطورية. ثم أن كراوس يرتكب خطأ فادحا في حق العلماء عندما سمح لنفسه بتحديد قابلية البشر الذهنية و يستثني نفسه و ثلة من العلماء من تدني الفهم الإنساني الموروث من الأسلاف (ص153-154).

ينتمي كراوس إلى المدرسة التجريبية التي تحصر مصادر المعرفة بالتجربة ، وكما هو معروف فإن هذه المدرسة و خلافا للمدرسة العقلية لا تؤمن بالمعارف القبلية على أنها وليدة القوة العاقلة في الإنسان. إن ما يميز المنظومة الإدراكية للإنسان سواء كانت هذه المنظومة مرجعيتها الدماغ البشري أو النفس الميتافيزيقية هو أن المبادىء المعرفية تفرض نفسها على الذهن بصورة قهرية من دون أن يكون له الخيار في قبولها أو رفضها. و الحقيقة أن هذه المبادىء المعرفية تعد من خصوصيات الإدراك و تقييدها بالمحسوسات أو الواقع التجريبي أدى إلى نسبتها، عندما لم يلحظوها في الواقع الخارجي ، الى القوة العاقلة الميتافيزيقية. و ليس صحيحا أن جميع المنظومات الإدراكية هي منزلة سواء ، فإن هناك من الكائنات لا تتمتع قواه الإدراكية بجميع هذه المبادىء المعرفية. فبعضها – الحيوانات – تتمتع بقدرة إدراكية واطئة قد لا تشتمل على مبدأ القناعة الذاتية و يعود السبب إلى عدم قابليتها التكوينية على الإعتقاد. من هنا يمكن القول أنه كلما نضجت المنظومة الإدراكية للإنسان كلما إتسعت المبادىء المعرفية. و يخلص الـ”ديلان” إلى النتيجة المهمة التالية و هي “ضرورة أن تكون هناك إعتقادات سابقة على المنهج العلمي شريطة أن تكون منبثقة من أصول تكوينية لا من خلفيات ثقافية أو نفسية أو إيدلوجية” (ص156).

ينكر كراوس في كتابه (كون من لا شيء) إهتمام العلم بالعلل الغائية و يحصر مهمة العلم في إكتشاف كيفية عمل الطبيعة. و لذلك فإن العلم لا يجيب عن سؤال لماذا لأنه يتضمن السؤال عن الغاية و إنما يجيب عن سؤال الـ كيف. و يذكر كراوس بأن هناك ثلاثة خصائص لسؤال لماذا تمنع من دخوله في الحقل العلمي و هي: أن سؤال لماذا غير مستحسن في العلوم حي تنصب إهتمامات العلوم مثلا بالسياقات العلمية فقط  ، فسؤال لماذا هو في الحقيقة سؤال الكيف. فمثلا هذا السؤال الشهير ( لماذا هناك شيء بدلا من لاشيء؟ ) إنما يقصد به ( كيف هناك شيء بدلا من لا شيء) أي كيف تكون مادة الكون قد جاءت من لا مادة ؟ و لذلك فإن هذا السؤال لا يستبطن معنى الغائية. ثم أن سؤال لماذا سؤال إستمراري و لا يتوقف عند حد و هذا يجعله سؤال غير علمي. و أخير فإن سؤال لماذا سؤال غير قابل للإختبار أو التحقق لأنه سؤال الغاية ” فإن العلم يرصد ذات الطبيعة المصممة و لا يعنى بغاية هذا التصميم ، و يكتشف العملية التطورية لكنه عاجز عن إدراك نيتها و غايتها …” (ص158). و يستدرك الـ”ديلان” على ما أبداه كراوس من خصانص سؤال لماذا بعدة ملاحظات. أولها أن سؤال لماذا عادة ما يكون سؤال عن الأسباب و ليس الغايات ، فمثلا عندما نسأل: لماذا مرضت؟ يعني ما هو السبب الذي جعلك تمرض ، و هو يختلف عن سؤال: كيف مرضت؟ فهذا سؤال عن كيفية حصول المرض. فيمكن أن يكون جواب (لماذا) أن سبب حصول المرض هو الفيروس ، أما سؤال (كيف) فجوابه يكمن شرح الطريقة التي دخل بها هذا الفيروس إلى البدن. و ثانيا مع افتراض أن سؤال لماذا يعبر عن الغاية فهل كل أسئلة الغايات هي أسئلة غير علمية و لا تخضع للشرائط المقررة في العلوم الطبيعية؟ فمن المؤكد أن بعض أسئلة الغايات تدخل في مجال البحث العلمي. و المحدد الذي يجعل من الفرضيات علمية و غير علمية هي قابلية هذه الفرضيات للتكذيب وفقا للمنهج البوبري. فكل فرضية تقبل التكذيب هي فرضية علمية و كل فرضية لا تقبل التكذيب فهي فرضية زائفة. أما حسب نظرة الإستقرائيين فإن الفرض يكتسب العلمية إذا كان بالإمكان إثباته ، فإن أمكن إثباته فهو فرض علمي و إن لم يمكن إثابته فهو فرض زائف. وعند تطبيق فرضية الكون الغائي على المنهجين الإستقرائي و البوبري فإننا نجد أنها فرضية علمية (160). فإذا أمكننا أن نجمع الشواهد التي تؤيد غائية التصميم الكوني و أنه صدر من فاعل عاقل و مدبر و حكيم فإنه يمكن إثبات أن هذا الفرض يرتقي إلى مستوى الحقيقة العلمية. لكن علينا أن نتنبه إلى أن كثيرا ” ما يقع الإلتباس عند تحقيق بعض المسائل التي لا يتوفر إزاءها الملاحظات الحسية المباشرة فتندرج تحت ما يسمى بالعلم الزائف و الحال أنها داخلة في حدود المنهج العلمي ” (ص160). يرى الإلهي إن فرضية التصميم الغائي للكون وفقا لكثير من المؤشرات هي فرضية قابلة للتحقيق أو التكذيب. و في مقابل فرضية التصميم الذكي الذي هو ثمرة مصمم عاقل مدبر و ذكي توجد فرضية أخرى متطرفة لبعض الملاحدة مثل فيكتور ستينجر الذي يرى أن هذا الإله على فرض وجوده فهو لا يتمتع بصفات الكمال و العناية “وفقا للغة العلم ، فإن الحقيقة التجريبية للمعاناة غير الضرورية في العالم لا تتوافق مع إله ، كلي القدرة ، و كلي الرحمة ، و مشاهداتنا عن المعاناة البشرية و الحيوانية تبدو كما يتوقع منها لو لم يكن الله موجودا” (ص160). و الحقيقة أن فرضية الغاية في التصميم الكوني تقع بين رؤيتين أحدهما تثبت الغاية و الأخرى تنفيها ، و هذا مما يؤكد أن فرضية الغاية هي فرضية علمية من حيث قابليتها للتحقق و التكذيب و إن لم تتوفر الشواهد الحسية المباشرة. و لقد توهم كراوس عندما إستبعد الغائية من حدود البحث العلمي لأنها ليست من نوع الظواهر الطبيعية ” مع أن البحث العلمي لا ينحصر في الفروض الحاكية عن الظواهر الطبيعية. و من أجل هذه النقطة بالذات تمسك كثير من الملاحدة بعلمية فرضية وجود الله على الرغم من أنه وجود ميتافيزيقي ” (ص161). و ثالثا يختلف الـ”ديلان” مع كراوس في كون سؤال لماذا سؤالا إستمراريا سواء أريد به سؤال الأسباب أو الغايات. فإن سؤال الغاية يصل إلى حد يصبح بعدها سؤال لماذا سؤالا شكليا فارغا من المضمون. و يضرب الـ”ديلان”” مثالا جميلا ” (لماذا خرجت من البيت في هذا الوقت؟ لكي أصل في الوقت المناسب وهو مكان تواجد صديقي). ( ولماذا تريد الوصول الى هناك؟ لقد دعاني إلى ان نأكل معا الطعام). (لماذا تأكل الطعام؟ حتى يرتفع عني الجوع مثلا).( ولماذا ترفع عنك الجوع؟ لكي أرفع الألم عن نفسي). (ولماذا تريد أن ترفع الألم عن نفسك؟ حتى أحتفظ بسلامة بدني). (لماذا ترغب في الحفاظ على سلامة بدنك؟)..أما السؤال الأخير فليس هو إلا سؤالا شكليا ” (ص161). فإذا أوصلنا سؤال (لماذا) إلى الغاية النهائية يصبح بعدها سؤالا شكليا بلا مضمون. و من هنا فإن سؤال (لماذا) سواء تعلق بالأسباب أو الغايات فهو سؤال محدود و لا يتمتع بالإستمرارية كما اعتقد كرواس. يشير الـ”ديلان” على نقطة في غاية الأهمية و هي أن “هدف المنهج العلمي أوسع من هدف العالم الطبيعي الذي تقتصر مهمته البحثية على وصف الظواهر …كما يمكن القول: إن من حق الفيلسوف أن يعتمد على المنهج العلمي في إثبات الحقائق غير التجريبية التي تتلاءم مع أهدافه و أغراضه كفيلسوف. و بهذا يتبين أن حياد العلم الطبيعي و التجريبي بالنسبة إلى علم اللاهوت مقولة غير صحيحة.” (ص164).

إذن المنهج العلمي يمكن توظيفة في فرضية الإله نفيا أو إثباتا. فالظاهرة الطبيعية قد تشير إلى عناصر خارجة عنها و قد لا تشير. إن الموضوعات التي لها وجهان علمي و فلسفي تثير في العادة إشكالية المنهج. و بداية الكون أو نظرية الإنفجار العظيم هي إحدى هذه الموضوعات التي تحمل الجدل بين العالم و الفيلسوف وتثير إشكالية المنهج. فالعالم يلتزم بهذه النظرية و يقدم وصفا لها ، ثم يستخدم الفيلسوف هذه النظرية و يوظفها في سياق إفتراض وجود الإله الأزلي الذي أوجد هذا الإنفجار. لكن العالم ربما يسخر من الفيلسوف كما يفعل كراوس و يقول لا حاجة لمثل هذا الفرض لأن الإنفجار سبقه الحدث الكمومي الذي أولد لحظة الإنفجار الكبير. لكن الفيلسوف يتساءل عن الحدث الكمومي و عما إذا كان هذا الحدث عدم فلسفي أو وجود فعلي. و إذا كان هذا الحدث عدم فلسفي فكيف ينبثق الوجود من العدم؟ و إذا كان وجود فعلي فهل هو ازلي او وجد بصورة تلقائية من العدم؟ و في الواقع فإن العلم لا يستطيع أن يجيب على الأسئلة التي تتعلق بأزلية و قدرة العدم الفلسفي على الإيجاد، فهذه الأسئلة تقع في دائرة الفيلسوف و ليس في مقدور العلم أن يجيب عليها. هنا يلفت الـ”ديلان” إلى الإلتباس الناشىء ” من عدم الفرز الدقيق بين غاية العلم و أبحاثه و بين غاية الفلسفة و قضاياها” (ص169). و يلفت الـ”ديلان” إلى أن الفلسفة كانت في السابق علما جامعا لكل العلوم ، الإلهيات و الرياضيات و الطبيعيات وهذا أدى إلى أن يقدم الفيلسوف آراء خارج دائرة إختصاصه و يدونها على انها آراء فلسفية………. قريبا الطريق الى نبع الوجود (6).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *