الثلاثاء , يوليو 23 2019

الطريق الى نبع الوجود (1) – د. جاسم حسن العلوي

الطريق الى نبع الوجود (1)

رحلة الحائرين إلى الله

قراءة في كتاب “وجود الله بين العلم و المنهج العلمي” 

الكاتب : علي ديلان

تنطلق الرؤية العرفانية للعالم من صميم الوجود ذاته ، رؤية تبدأ من ذلك النبع الفياض بالوجود المستجمع للكمالات ليكون هو الدليل على بقية العوالم الإمكانية. رؤية إستغرقت حبا في الوجود الصرف فلم تعد ترى ما سواه إلا ظلالا و لا تهتدي إليه إلا من وحي هداه. إنها رؤية العاشق المذهول عن هذا العالم في حضرة المعشوق ، فليس لغيره في نفوسهم حضور فكل العالم غياب و هو وحده الحاضر “عظم الخالق في نفوسهم فصغر ما دونه في أعينهم”.  فإذا كان الفيلسوف يستدل بهذه العوالم الإمكانية على الوجود الواجب و يستدل من دقة الصنع على علم و قدرة الصانع ، فإننا بإزاء فلسفة تتحرك في الإتجاه المضاد ، ترى الصانع أولا ثم ترى ما في العالم من جمال و نظام، و ما الجمال في العالم إلا من نبع ذلك الجمال المطلق و ما العظمة في الصنع إلا من فيض تلك الحكمة السرمدية ” ألم ترى كيف مد الله الظل و لو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ” فبمقتضى هذا النظام المعرفي تكون الشمس دليل على الظل ، والعلة دال على المعلول. لكن قليلون هم العاشقون الذين وصلوا إلى صرف الحقيقة و نبع الوجود ليحكموا بيقين مطلق لا تشوبه ريبة على ذلك الوجود و يقفوا على الحقيقة الكاملة فيغدوا ما خلاها وجودا باهتا و ظلالا لتلك الحقيقة الإطلاقية. و قليل في هولاء العاعشقين من جعل سفره في هذا العالم هو عين الحضور الدائم في حضرة المعشوق ، فعاش بين الناس منارا يدل الحيارى اليه.

لكن ثمة رؤية تنطلق من الداني إلى العالي ، من الوجود الفقير الممكن إلى الوجود الغني الواجب. و شتان بين من يرى منبع النهر الفياض بالوجود ثم يبدأ رحلته منه ليكتشف العوالم الأخرى الدال هو عليها فلا يرى فيها إلا وجه الحبيب ” ما رأيت شيئا إلا و رأيت الله قبله و معه و فيه” ، و بين من يرى مجراه ثم يقتفي أثره محاولا الوصول إلى نبعه الفياض ، فتنقلب هنا المعادلة فيصبح الظل دال على الشمس و المعلول الأقل شأنا و رتبة دال على العلة الأشرف. و لكن ليس إقتفاء الأثر إلى النبع مأمونة المخاطر ، فلربما ضل هؤلاء الحيارى الطريق ولم يصلوا أبدا ، أو لربما غرقوا في عوالمه المظلمه و ظنوا أن ليس هناك نبع لهذا النهر فأنكروا وجوده أو لربما تناسوا الهدف الذي من أجله خاضوا مغامرة السباحة ضد تيار النهر الدافق.

و من مخاطر هذه المغامرة ، مغامرة البحث عن نبع الوجود ، أن يتسلط الشيطان بخدعه على قلب الإنسان فيجعل شكوكه يقين ، وينخدع بتأويلات زائفة و يجعلها من مقولات العلم فيقرر بهتانا و زورا أن العلم ينفي وجود الله. إنها خدع الشيطان المتسلط على رقاب العباد و المتربص لهم في الطريق وما قصة الإلحاد المعاصر إلا قصة خداع الشيطان للإنسان الذي تخفى وراء ضبابية المشهد العلمي الحديث ليجعل حيرة الإنسان يقينا زائفا ويسبغ على إلحاده صفة العلمية. و عندما نتحدث عن العلم فإننا نتحدث بشكل كبير عن الفيزياء الحديثة ، فهي ملكة التأثير في الرؤى الكونية منذ القرن السابع عشر و حتى اليوم.

دعونا نلتمس الطريق إلى ذلك النبع الذي يفيض بالوجود بعد أن ننفي كل مقولات الإلحاد التي تتأول مقولات العلم الحديث على نحو الذي تدعيه توكيدا منها على نفي الوجود الإلهي ، وذلك من خلال القراءة في كتاب ” وجود الله بين العلم و المنهج العلمي: دراسة بنائية و تحليلية نقدية تستهدف أهم نصوص الإلحاد وفق منظور العلم و المنهج العلمي “ و هو عمل كبير و جاد يستحق القراءة و يستحق كاتبه العراقي “علي الـ”ديلان”” التقدير على ما بذله من جهد في إخراج هذا العمل الذي يتسم بالجدية و المناقشات المستفيضة لكل مقولات الإلحاد المعاصر. و يتميز هذا العمل على المستوى الفني بـ إبتكارات الكاتب لمصطلحات جديدة و تصنيفات جديدة و على المستوى البرهاني بالمناقشة العلمية الصارمة التي تستجمع كافة الإحتمالات و الإدعاءات و من ثم تفنيدها و كشف زائفيتها. كما يتميز العمل بإستيعاب الكاتب للنظريات العلمية الحديثة ذات التأثير المباشر في الرؤى الكونية و بالتحديد في مسألة وجود الله.  الكتاب يتسم بالشمولية في الطرح و هي في الواقع نتاج تعدد المصادر التي إعتمدها الكاتب.

الفكرة المركزية في هذا الكتاب الذي خصص الكاتب له ثلاثة أقسام رئيسية هي أن فرضية الإله فرضية علمية يمكن لنا أن نطبق عليها المنهج العلمي بكامل خطواته المنهجية من الملاحظة – فالفرضية – فالتجريب. فبينما نفى بعض الملاحدة و تبعهم في ذلك الفلاسفة في إخراج فرضية الإله من الحقل العلمي و إعتبارها فرضية ميتافيزيقية و جعلها من صنوف التأمل النظري – الفلسفي ، فإن الكاتب في هذا الكتاب الذي يقع تقريبا في 500 صفحة من القطع الوزيري الكبير ينافح بالدليل و بإستقصاء واسع لكافة المقولات العلمية و الفلسفية عن علمية هذه الفرضية و قابليتها للخضوع للمنهج العلمي. وفي هذا العصر الذي يسوده المنطق الوضعي العلموي ، وبالتحديد في الغرب المنتج للمعرفة العلمية ،والذي يعتبر النظر الفلسفي – الميتافيزيقي كلاما خاليا من المعنى فإن الملاحدة وجدوا في إخراج فرضية الإله من الحقل العلمي و حصرها في الإطار الفلسفي التأملي فرصتهم في إعطاء أنفسهم الحق في إحتكار التأويل لكل مخرجات العلم الحديث بما يخدم نفي وجود الإله.

يخصص الـ”ديلان” القسم الثالث من الكتاب للدفاع عن الخصوصية العلمية التي تتمتع بها فرضية الإله و قابليتها للفحص وفق المنهج العلمي الحديث و ذلك بعد أن يعيد تفسير خطوات المنهج العلمي لتصبح قابلة للإنطباق على هذه الفرضية. و لكن لكي يقدم الـ”ديلان” رؤية نسقية متكاملة يبني بعضها على بعض و يحكمها المنطق و البرهان فإنه يخصص القسم الأول من الكتاب للمبادىء المعرفية و الأصول الإدراكية الضرورية التي تحتاجها جميع المعارف البشرية. و هذه المبادىء و الأصول هي بمثابة البنية العميقة في الفكر الإنساني و التي هي بدورها نتاج التكوين الفطري الإنساني بحيث تم تصميم الإدراك الإنساني على النحو الذي تجعله ينفر من كل الأفكار النافية لهذه المبادىء و لتكون هي بمثابة البنية الأولى لرحلة الإنسان المعرفية. وبعد أن أفلح الـ”ديلان” من وجهة نظري بتقديم دفاعا متينا و مبتكرا لكل الإحتمالات التأويلية لنتائج العلوم و التي تحتمل التأويل الذي يضرب بهذه البنية الأساس في الفكر الإنساني ، خصص القسم الثاني من الكتاب للنظرية المنطقية التي يعتمدها المنهج العلمي في التصديق بما يقدمه العلم الحديث من نتائج. فمن بين العديد من النظريات المنطقية تبنى الـ”ديلان” النظرية المنطقية الصدرية بالكامل ” المذهب الذاتي” للسيد محمد باقر الصدر التي وردت في كتابه العظيم ” الأسس المنطقية للإستقراء” ، حيث يمكن على ضوء هذه النظرية تنمية الإحتمال الى درجة تصديقية عالية جدا و نقله إلى درجة اليقين الموضوعي بعد الإيمان بمصادرة عقلية مفادها أن العقل يتجاهل الإحتمالات الضعيفة جدا و يتعامل مع الإحتمال الراجح جدا بمرتبة اليقين. البنية – البناء – التطبيق هي تعبير آخر للأقسام الثلاثة التي تضمنها الكتاب بحيث تشكل نسقا منطقيا متكاملا.

و سنحاول أن نقدم موجزا للكتاب في أقسامه الثلاثة بدون أن يكون هناك إخلال يسمح بضياع التماسك النسقي – المنطقي الذي إعتمده الكتاب . و نروم من هذا الموجز أن يطلع القارىء الكريم الذي لا يجد متسعا من الوقت لقراءة هذا العمل الكبير على مقولات العلم الحديث التي تم حرفها و تفسيرها بما يقتضي زعزعة الفكر الإنساني في بنيته الأساس و من ثم الوصول إلى نفي وجود الإله أو الإعتقاد بأن فرضية الإلة خارجة عن الحقل العلمي و ليس من طريق لإثبات صحتها.

يبدأ القسم الأول بعرض المبادىء المعرفية الضرورية لكل معرفة بعد أن يعيد الكاتب تصنيفها بشكل في ظني مبتكر و أصيل. و هنا يود الـ”ديلان” في هذا القسم أن يؤسس للمعرفة بنيتها العميقة الصلبة التي حاولت أن تنال منها بعض التأويلات الخاطئة لمخرجات العلم الحديث. و هو بدفاعه عن هذه البنية التي يعتبرها الـ”ديلان” من اللبنات الأولى الإدراكية التي يجد الإنسان نفسه مقهورا على الإعتقاد بها و الإعتراف بقيمتها من دون الحاجة للبرهنة عليها (ص21) ، يؤسس للحوار مع الآخر في كل معرفة و بدونها لا يعد الحوار ذو فائدة على الإطلاق. و الإنكار لهذه المبادىء يوجب الإخلال بالبناء الفكري للإنسان و من ثم عدم قدرته على أن يتقدم خطوة واحدة إلى الأمام (ص22). و يشرح الـ”ديلان” السبب الذي من أجله خصص هذا القسم من الكتاب لعرض المبادىء المعرفية أو التعبير المرادف الذي يستخدمه لهذه المبادىء ” الأصول الإدراكية” التي يعتبرها نقاط الإشتراك مع الآخر فيقول ” و في الحقيقة إن الذي حدا بي إلى طرح هذا الموضوع رغم وضوحه و عدم جدوى التفكير في إنتهاكه و مخالفته ، إشكاليات عرضت على أذهان مختصين في مجالاتهم أودت بهم إلى رفض بعض الأصول “الادراكية” ظنا منهم أن هذا ما يقتضيه الطرح العلمي فعملوا على خلط المعرفة في نوع من التداخل الإختصاصي غير المجدي و بذلك سوقوا أفكارهم على أنها الرؤية العلمية و نعني بذلك ما استفيد من الفيزياء الكمومية إذ توهم البعض أن فيزياء الكم – قوانين ما دون الذرية – توصلت إلى ما يضارع الدليل بفئة من القضايا التي يفترض أنها غير قابلة للطعن، …”. (ص16).

هذه المبادىء المعرفية هي ضرورة البدايات المشتركة في التفكير البشري و على هذا الأساس المشترك ينطلق الإنسان في مرحلة البناء المعرفي الفلسفي و العلمي بل و حتى الأخلاقي. و جميع الإشكاليات التي حاولت النيل من المبادىء المعرفية كانت تستهدف إثبات نسبيتها و بالتالي عدم الحاجة إلى فرض بدايات مشتركة للفكر. و قد بدل الـ”ديلان” جهدا في تتبع مختلف المناشىء العلمية في الفيزياء الكمومية و البيولوجيا بالخصوص والتي تحمل دلالات نسبية هذه المبادىء و عمل على مناقشتها و بين مواطن الخلل المنطقي الذي تنطوي عليه و التي أفضت إلى الحد – بهذا الإعتبار المنطقي الخاطىء – من تطبيقات هذه المبادىء و اعتبارها الأساس المشترك لكل الأفكار. فإذا كانت هذه المبادىء لا تنطبق على جميع الأفكار فإن هذا يخرجها من كونها تمتلك واقعية و موضوعية في ذاتها و يجعلها رهينة الأسباب التي تجعلها فاعلة في نطاق و غير فاعلة في نطاق آخر و هنا يتحدث الـ”ديلان” عن مشكلة تطال الفكر البشري في عمومه إذا إعتقدنا بنسبية هذه المبادىء المعرفية: ” و لكنه يحدث مشكلة كبيرة بالنسبة إلى أفكارنا من حيث إنها جميعا مستندة إلى هذه المعطيات ، و تكتسب الموضوعية منها ، و عن نفيها كلا أو بعضا يؤدي إلى نفي قيمتها المعرفية و المنطقية” (ص 102-103).

و قبل أن نعرض لهذه المبادىء المعرفية ، رأيت أن أطلع القارىء الكريم أولا على خصائصها العامة ، و التي أوضحت بعض منها أعلاه ، كما وردت في الصفحات 35-37 من الكتاب:

  • أن هذه المبادىء ثابتة في ذاتها و لايمكن البرهنة عليها. أما لماذا لا يمكن البرهنة عليها فيوضح الـ”ديلان” أن هناك مجموعة من القضايا لا يمكن التدليل عليها و منها القضايا المستحيلة و القضايا التي يعجز المرء عن توفير المبررات الكافية لثبوتها و قضايا تحصيل الحاصل حيث يستبطن موضوعها الحكم المتوجه عليها مثل (الإنسان إنسان) أو القضية الرياضية (1+1=2) حيث نجد أن النتيجة موجودة في المقدمات ثم يصل إلى عدم قابلية المبادىء المعرفية للإثبات بإعتبارها قضايا أولية في الفكر البشري ، فيقول ” فمن الطبيعي أنه لا يمكن إثباته ( يعني بذلك الأمر الأولي ) من خلال ممارسات التحليل و التفكير ، ولو قدرنا أن تمكنا من التدليل عليه لكان من الواجب علينا خلع صفة المبدئية منه ، و سبب ذلك أن إفتراض كون الشيء مبدأ هو عدم مسبوقيته” (ص36).
  • أن نفيها و عدم الإعتقاد بها يؤدي إلى ما يمكن أن يلتزم به أحد حتى السوفسطائي. يذكر الـ”ديلان” أن من جملة هذه المبادىء “مبدأ الواقع” فأية محاولة لتهديم هذه المبادىء يعني بالتأكيد هدما للواقع نفسه بصورة أشد من إنكار السوفسطائي لواقعية العالم الخارجي.
  • أن نفي هذه المبادىء يوجب إثباتها مما يعني أنه لا يمكن إنكارها بأي وجه من الوجوه.
  • أن جميع هذه المبادىء في عرض واحد و رتبة واحدة. و يشرح الـ”ديلان” وقوع هذه المبادىء في رتبة واحدة بقوله “و هذه الخصوصية تأتي كنتيجة طبيعية لما تفرضه تلك المبادىء من سيطرة و إلزام على الذهن باعتبارها ذات مرجعيات تكوينية غير تراتبية أو – على الاقل – لا نعلم بكيفية إرتسامها في الفطرة، وبأي هندسة تم ترتيبها؟ مما يستلزم أن تكون آثارها بنفس المستوى الواقعة فيها” ( ص37). نعرض الآن لهذه المبادىء المعرفية بحسب التصنيف المبتكر الذي جاء به الكاتب ، الـ”ديلان”:

المبادئ المعرفية الأربعة سيتم إستعراضها قريبا في: الطريق الى نبع الوجود (2)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *