الجمعة , فبراير 22 2019

التخلق المتعاقب: (ما تأثيره على سايكلوجيتنا) – ترجمة عدنان أحمد الحاجي

التخلق المتعاقب: ما تأثيره على سايكلوجيتنا – بقلم كيڤين ميتشل، الأستاذ المشارك للجينتكس وعلوم الأعصاب في كلية ترنتي في دبلن

في معركة الفطري (الطبيعي) مقابل الكسبي (التنشئة) ، أصبح للطبيعي مجند جديد ، ألا وهو: التخلق المتعاقب (ابجينتكس) Epigenetics (١) – الذي جُلب من البيولوجيا الجزيئية ليعطي ثقلاً علمياً للجدل القائل بأن الجينات ليست قدراً. إن الدليل الساحق على التأثيرات الجينية على سماتنا السايكلوجية تستحضر النظرة القدرية (المصيرية) لكثير من الناس ، النظرة حيث نكون نحن عبيداً لبيولوجيتنا ، ولسنا متحكمين في أنفسنا وسلوكنا. التخلق المتعاقب Epigenetics (ابجينتكس) ، وهو آلية لتنظيم التعبير الجيني ، يبدو أنها تسمح بالإفلات من الحتمية الجينية ، وهي وسيلة لتجاوز الإستعدادات الفطرية وتغيير من نحن.

هذه الرؤية ممثلة بشكل جيد من قبل الدكتور الطبيب ديباك تشوبرا و رودولف تانزي ، أستاذ علوم الأعصاب في كلية هارفارد الطبية ، اللذان كتبا (٢):

كل يوم يأتي بأدلة جديدة على أن الإتصال بين العقل والجسد يصل حتى إلى أنشطة جيناتنا. كيف يتغيير هذا النشاط إستجابة لممارساتنا (لخبراتنا المسبقة) experiences الحياتية يشار اليه ب “اسم” التخلق المتعاقب (انظر التعريف في ١)”. وبغض النظر عن طبيعة الجينات التي نرثها من والدينا ، فإن التغيير الديناميكي على هذا المستوى يسمح لنا بتأثير غير محدود تقريباً على مصيرنا (قدرنا).

نشأ هذا الأمل من الأبحاث (٢) التي أشارت إلى أن أنواعًا معينة من الممارسات (الخبرات المسبقة) experiences في الحيوانات يمكن أن تؤدي بالفعل إلى علامة تخلقية متعاقبة epigenetic (ابجينتكس) تُلصق attached بجينات معينة ،بتأثيرات على السلوك تبقى فترة طويلة . وهكذا ، يعطي التخلق المتعاقب بعض المؤهلات الآلية لفكرة أننا نستطيع أن نتجاوز الجينات أو نستبدلها  بغيرها التي من شأنها أن تملي سماتنا واستعداداتنا الفطرية.

هناك تناقض متأصل في هذه الفكرة ، ومع ذلك ، الآلية التي تضفي قابلية الإستجابة responsiveness إلى الخبرة experience من المفترض ، في نفس الوقت ، أن تجعل التغييرات الناتجة ثابتة. حتى أن هناك دراسات (٣) تشير إلى أن مثل هذه العلامات التخلقية المتعاقبة (ابجينتكس) يمكن أن تنتقل من الوالدين إلى أبنائهم وحتى أحفادهم ، مما يهيئهم إلى التصرف بطريقة معينة إستجابة للمارسات المسبقة experiences التي كانت لدى أجدادهم. هذه فكرة حتمية من سخرية القدر – أن سلوك شخص ما سوف يتأثر بقوة بممارسات experiences أسلافه – خاصة بالنسبة لآلية من المفترض أن تتواسط mediated (تتسبب) في مرونة سلوكية غير محدودة.

ولتقييم الإدعاءات القائلة بأن التخلق المتعاقب (ابيجينتكس) يمكن أن يحررنا من الصفات النفسية المحددة سلفاً ، فإننا نحتاج إلى النظر في تفاصيل كيف تؤثر جيناتنا على تلك السمات ، وما الذي يستلزم  التخلق المتعاقب من نتيجة بالفعل .

نحن جميعًا مشفرون في جينومنا ببرنامج لبجعلنا بشراً ، بدماغ بشري ، يضفي علينا طبيعتنا البشرية العامة. لكن هذا البرنامج يتباين بين الناس بسبب الملايين الكثيرة من الإختلافات الجينية التي نحملها جميعاً. لذا فإن برنامج تكوين دماغي أنا يختلف عن برنامج تكوين دماغك أنت. وتختلف الطريقة الدقيقة التي يعمل بها البرنامج من دورة run إلى دورة run ، وبالتالي فإن المخرجات (٤) تختلف حتى بين التوائم المتماثلة جينياً. لذلك فإن طبيعتنا الخاصة بِنَا هي تباين فريد على هذا المطلب العام.

أتينا [بأدمغة] مختلفة التسليك wired، بإستعدادات فطرية (٤)  تؤثر على ذكائنا وشخصيتنا ، وجنسنا (٥) ، وحتى الطريقة التي ننظر بها الى ما حولنا (٦).  هذه السمات النفسية الفطرية لا تحدد بالضرورة سلوكنا على أساس لحظة بعد لحظة ، ولكنها تؤثر عليه، في أي لحظة، وبإرشاد تطور عاداتنا وظهور جوانب أخرى من شخصيتنا طوال حياتنا. ولكن هل يمكن للتخلق المتعاقب (ابجينتكس) حقاً أن يحل محل overwrite هذه التأثيرات الجينية على سيكلوجيتنا؟

في البايلوجيا الجزيئيّة ، يشير التخلق المتعاقب  epigenetics (ابجينتكس) إلى آلية خليوية للتحكم في تعبير الجينات. فهي مهمة بشكل خاص لتوليد أنواع مختلفة من الخلايا خلال التطور الجنيني. تحتوي جميع خلايانا على نفس الجينوم ،  بحوالي ٢٠ ألف جين ، كل واحد منها يشفر بروتينًا معينًا ، كالكولاجين أو إنزيمات الكبد أو مستقبلات الناقلات العصبية. تحتاج الأنواع المختلفة من الخلايا إلى مجموعة فرعية مختلفة من تلك البروتينات للقيام بوظائفها الخاصة. لذا ، في كل نوع من الخلايا ، يتم تشغيل بعض الجينات ، أي أن الجين يتم نقله بواسطة إنزيم إلى مرسال الحمض النووي الريبي messenger RNA  ، والذي يتم ترجمته إلى البروتين المناسب. يتم “إيقاف” الآخرى ، بحيث تكون قطعة الحمض النووي DNA قابعة هناك ولا يتم في الواقع  صنع  البروتين.

عندما يتطور  الجنين ، تتلقى خلايا معينة  إشارة لتصبح خلايا عضلية أو خلايا عصبية أو خلايا جلدية. هذه الإشارة تحث على تعبير بعض الجينات وكبح  أخرى. لكن هذه الإشارات غالباً ما تكون عابرة ولا تستمر بعد التطور ، في حين لا تزال الخلايا بحاجة إلى أن تبقى خلايا عضلية أو خلايا جلدية أو خلايا عصبية. تتضمن آليات التخلّق المتعاقب (ابجينتكس) تحزيم packaging (تجميع) الحمض النووي في حالات نشطة أو غير نشطة ، بحيث تستبقى البروفايل profile الأولي للتعبير الجيني على مدى عمر الخلايا. لذلك تعمل كنوع من الذاكرة الخليوية. يمكن حتى  تمرير حالة التخلق المتعاقب للخلية عبر إنقسامات خليوية.

مصطلحات أُسيء تفسيرها

لسوء الحظ ، فإن العديد من المصطلحات في هذا الوصف مفتوحة لسوء التفسير. الأول هو مصطلح “الجين” نفسه. المعنى الأصلي للكلمة جاء من علم الوراثة ويرجع  إلى بعض الأشياء المادية التي تم تمريرها (توريثها) من الوالدين إلى ذريتهما والتي تتحكم في بعض السمات التي يمكن ملاحظتها. نحن نعلم الآن أن الجينات بمعنى الوراثة هي في الواقع تباينات في تسلسل ترميز (تشفير) ال DNA لبعض البروتينات. على سبيل المثال ، “جين” فقر الدم المنجلي هو في الواقع طفرة في الجين تقوم بترميز (تشفير) بروتين الهيموغلوبين. نحن كلنا لدينا نفس مجموعة الجينات ، فقط صيغ مختلفة منها.

ثانياً ، وله علاقة بالأول ، عندما نقول إن الجين “مُعبّر expressed” فإننا نعني ذلك من حيث البيولوجيا الجزيئية. قد يبدو كما لو أنه معنيٌ من حيث الوراثة ، كما لو كان يرجع إلى تأثير التباين الوراثي على بعض السمات سواء أكانت ظاهرة أم لم تكن. لكن هذه ليست نفس الشيء على الإطلاق. في الواقع ، فإن العلاقة بين مستويات التعبير لأي جين معين وسماتنا هي في العادة معقدة للغاية وغير مباشرة.

ثالثًا ، يشير مصطلح “الذاكرة الخليوية” حتماً إلى أن التخلق المتعاقب (ابجينتكس) قد يكون أساس الذاكرة السايكلوجية ، وبالتالي يشكل أساسًا لإستجابتنا للخبرة ( التجربة ) السابقة experience. على الرغم من أن التغييرات الديناميكية في التعبير الجيني مطلوبة لتكوين الذكريات ، إلا أنه لا يوجد دليل على أن الذكريات نفسها مخزنة في أنماط التعبير الجيني. وبدلا من ذلك ، فهي تتجسد في التغييرات في قوة الروابط بين الخلايا العصبية ، متواسطة mediated ( مسببة ) بتغيرات دوين الخليوية subcellular موضعية جدا في الهيكل العصبي.

وأخيراً ، فإن الفكرة القائلة بأن التخلق المتعاقب (ابجينتكس) للحمض النووي DNA يمكن أن “يمرر” ( يورّث) هي عملية مقصودة  من حيث إنقسام الخلايا ولكنها تجعل الأمر يبدو وكأن إستجابات التخلق المتعاقب (ابجينتكس) للخبرة المسبقة experience  يمكن أن تنتقل (تورث) من الكائن الحي إلى نسله. على الرغم من وجود مثل هذه الآلية في النباتات والديدان الخيطية ، لا يوجد دليل مقنع  (٧) على أن هذه هي الحالة في الثدييات ، خاصة عند البشر.

خيالي جداً

لنأخذ مثالاً بسيطاً. لو قضيتًُ بعض الوقت في الخارج تحت أشعة  الشمس ، فسيكون لون جلدي داكناً. هذه في الأساس عملية تخلقية تعاقبية (ابجينتكس) ، تنطوي على تغييرات في التعبير الجيني التي تزيد من إنتاج الميلانين في بشرتي ، مما يؤدي إلى سمرة لون الجلد. هنا ، هناك علاقة بسيطة ومباشرة وفورية بين تعبير الجينات ذات الصلة وخصائص لون البشرة. تستمر هذه الإستجابة الخليوية للتجربة السابقة experience من أسابيع إلى شهور ، ولكن ليس لفترة أطول. ولن تُنقل إلى أولادي أو أحفادي.

تغير لون الجلد بسبب التشمس هو أحد الأشياء التي تؤثر عليه ابجينتكس

هناك عدد قليل من الوظائف العصبية حيث التأثيرات التخلقية المتعاقبة (ابيجينتكس) على عدد صغير من الجينات قد تكون مهمة ، كتنظيم قابلية الإستجابة إلى الإجهاد (٩) وإدمان المخدرات (١٠)، على سبيل المثال. لكن السمات السايكلوجية كالذكاء والشخصية لا تتحدد من خلال العمل الجاري لبعض الجينات.

أولاً ، هذه السمات لا تُحدد جينيًا على الإطلاق – فالكثير من التباين غير جيني في الأصل. أيضا ، التأثيرات الجينية تنشأ من التباين في الآلاف من الجينات ، وهذا الإختلاف يؤثر في الغالب على عمليات نمو الدماغ (٤). هذه التأثيرات لا تظهر لأن جيناتنا تُعبَر بطريقة معينة ، في الوقت الحالي ، ولكن لأنه تم التعبير عنها بطريقة معينة أثناء التطور.

أدى ذلك إلى أن تُسلّك wired ( تجبل أو تفطر ) أدمغتنا بطريقة معينة ، بحيث تنزع داراتنا circuits العصبية المختلفة إلى العمل بطريقة معينة ، مما يؤدي إلى إختلافات في الوظائف المعرفية (الإدراكية) وإتخاذ القرار في سيناريوهات مختلفة ، والتي تظهر على أنها أنماط سلوك مميزة. هذا طريق طويل ومعقد بشكل رهيب من الجينات إلى السمات السايكلوجية. فكرة أن نتمكن من تغيير هذه السمات عن طريق تغيير تعبير بعض الجينات في البالغين – مثل إسمرار الجلد في حال التعرض للشمس – هي خيالية إلى حد بعيد.

إن إستحضار الآلية الخليوية للتخلق المتعاقب لا يجعلها أقل خيالية. كما لا يوجد أي دليل حقيقي (٨) على أن هذه التجارب المسبقة  experiences مثل الصدمة ( التروما) تسبب تغيرات جينية تؤثر على الأطفال المتألمين أو الأحفاد سلوكياً أو بأي طريقة أخرى.

ومع ذلك ، لا يعني أي من هذا أننا آليون مبرمجون جينياً. الذين يكون سلوكهم متأصلاً فيهم hard-wired من الولادة. لدينا بالتأكيد إستعدادات فطرية ، ولكن هذه لا توفر سوى خط الأساس لسلوكنا. في الواقع ، نحن مجبولون ( مفطورون )  hard-wired للتعلم من الخبرة المسبقة experience – وذلك كيف نتكيف مع ظروفنا الخاصة وكيف تبرز أنماط سلوكنا. ولكن هذا يحدث من خلال التغييرات في هيكلنا العصبي neuroanatomy، وليس في أنماط تعبيرنا الجيني .

ولا تلك البنيويات ثابتة. التغيير لا يزال ممكناً. لا يزال بإمكاننا التحكم في سلوكنا. يمكننا العمل على التحكم في عاداتنا وإعادة صياغتها . يمكننا إلى حد ما تجاوز ميولنا اللاواعية . وهذا يتطلب وعي ذاتي وإنضباط وجهد. الشيء الوحيد الذي لا يتطلبه ذلك هو التخلق المتعاقب epigenetics.

تعريف ومصادر من داخل وخارج النص:

١-تعريف إبيجينتكس epigenetics في معناه الحديث،  هو مصطلح يستخدم لوصف الوراثة من خلال آليات أخرى غير تسلسل  الحمض النووي DNA للجينات . ويمكن أن ينطبق على الخصائص التي نُقلت من خلية إلى بناتها من الخلايا  في إنقسام الخلايا وإلى سمات كائن حي كامل. وتعمل من خلال علامات tags كيميائية مضافة إلى الكروموسومات التي تعمل في الواقع على تشغيل أو إيقاف تشغيل الجينات. ترجمنا هذا التعريف من هذا المصدر https://bscb.org/learning-resources/softcell-e-learning/epigenetics-its-not-just-genes-that-make-us/

ولتفاصيل أكثر يرجى مراجعة https://ar.m.wikipedia.org/wiki/علم_التخلق

٢-https://www.mdpi.com/2073-4425/10/1/47

٣-https://www.cell.com/abstract/S0092-8674(14)00286-4

٤-https://press.princeton.edu/titles/13255.html

٥-https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S2352250X15002171

٦-https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S0959437X1000198X?via%3Dihub

٧-http://www.wiringthebrain.com/2013/01/the-trouble-with-epigenetics-part-2.html?m=1

٨-http://www.wiringthebrain.com/2018/05/grandmas-trauma-critical-appraisal-of.html?m=1

٩-https://www.ncbi.nlm.nih.gov/m/pubmed/30532645/

١٠-https://www.ncbi.nlm.nih.gov/m/pubmed/29478612/

 

المصدر الرئيسي:

Epigenetics: what impact does it have on our psychology?
January 24, 2019
Kevin Mitchell, Associate Professor of Genetics and Neuroscience, Trinity College Dublin
https://theconversation.com/epigenetics-what-impact-does-it-have-on-our-psychology-109516

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *