الثلاثاء , يونيو 25 2019

الدوخلة والبونساي – حسن المرهون

فن البونساي (Bonsai) فن صيني قديم يصور أشجارا ونباتات ومناظر حقيقية في صورة مصغرة، وبونساي كلمة يابانية تعني الشجرة الواحدة أو النبتة الواحدة في حوض،،،،وهي تتكون من مقطعين (1): الأول (بن) وتعني وعاء صغير والثاني (ساي) وتعني شجرة أو نبات مزروع ويسمى هذا الفن في مسقط رأسه في الصين بفن الهنتِنج (Penjing)…. و هنتِنج كلمة صينية تعني المناظر الطبيعية ,,,, ،  وفن الهنتِنج فن تشكل من ممارسة البستنة الصينية القديمة منذ مئات السنين وطوره اليابانيون وأطلقوا عليه فن البونساي واشتهر هذا الفن بالإسم الياباني (البونساي) لإهتمام اليابانيين الشديد بهذا الفن.

فلسفة البونساي:

الحضارة الصينية أدركت أهمية الزراعة للمضي في الحياة وأن إلتصاق الإنسان بالشجرة يعني مواصلة الحياة والإبتعاد عنها يعني الموت، فعمدت هذه الحضارة على تكريس حب وإحترام الشجرة لضمان الحياة ، فكان هذا الفن (الهنتِنج) إحدى إفرازات هذا الإهتمام الذي يصل الى التقديس،،، والهدف النهائي من العناية بهذا الفن هو محاولة الحضارة الصينية من خلق تمثيل واقعي مصغر للطبيعة يمكن أن ينتقل مع الإنسان أينما حل وتكون الطبيعة (متمثلة في الشجرة) قريبة جدا منه. ويحتاج هذا الفن الى تقنيات زراعية تم تطويرها منذ اكثر من ألف سنة لإنتاج أشجار صغيرة في أحواض تحاكي شكل وحجم الأشجار كاملة الحجم.

تقنيات البونساي:

تشمل العناية بأشجار البونساي طرق معينة لقص البراعم وتشذيب الفروع الملتوية (كالتوصيل بالأسلاك وربط الفروع) والتحكم الدقيق بإضافة نوع وكمية السماد لخلق موازنة بين النمو الصحي والحد من النمو المعتاد.

الأشجار ذوات الجذوع الخشبية الكبيرة والكثيرة التفرع هي من تنمو في حوض بنجاح أكبر من غيرها وذلك لقدرة الحوض الصغير من تقييد قدرة الجذور على تخزين الغذاء، والأشجار ذات الأوراق الصغيرة تكون عادة أسهل في التحكم من الأشجار ذات الأوراق الكبيرة. وتفيد التجارب السابقة أن جميع أنواع الأشجار يمكن زراعتها بشكل مصغر مع مراعاة إختيارها في موسم النمو مع ملاحظة أن بعض النباتات تحتاج الى حماية خاصة. ويوجد على الأقل عشرة تصنيفات متعارف عليها لإرتفاع البونساي تبدأ من ثلاثة سنتمترات وتصل الى مترين والذي يسمى بحجم الإمبراطور لكن غالبية أشجار البونساي لا تتعدى المتر الواحد في إرتفاعها.

 

 معاني البونساي:

البونساي شكل أو نمط شبيه بالشجرة الأم ، أو هو على أقل تقدير عرض لتفاصيل مصغرة كافيه أن تسمى شجرة يمكن مقارنتها مع الشجرة من نوعيتها في الطبيعة، وتخضع لتدخل بشري ذكي لا يفسد الشعور بأنها غير طبيعية بل يعزز مفهوم قوة التفاعل بين البشر والطبيعة وتتميز بصفتين:

أ) سهولة نقلها

ب) وممكن الإحتفاظ بها قريبة من الإنسان (داخل البيت مثلا).

وشجرة البونساي لا تمثل نفسها كشجرة فحسب بل تمثل أكثر من ذلك ، إذ أنها تمتزج مع تجارب وذكريات الفنان الذي يرعى البونساي. ولأنها تحظى بإهتمام ورعاية يومية من قبل الفنان فهي لا تقدر بثمن، وهي تعامل كتحفة أو إن شئت كضيف إذ يسمح لها بأن تنمو داخل البيت معززة ومكرمة. وهي واحة متنقلة أو حديقة صغيرة قابلة للنقل الى أي مكان ويمكنها أن تمثل جميع الفصول والمناظر الطبيعية البعيدة. فن البونساي يجعل الشجرة العملاقة قريبة وفي متناول اليد، وهذا يساعد على التأمل ويخلق جوا من المتعة والحب. هناك معاني كثيرة يرسم ملامحها هذا الفن ، لكن المعنى الحقيقي يقرره أنت (الفنان) إذا ما قررت الإقتراب من هذا الفن. وتقام المسابقات والمعارض لهذا الفن في كثير من دول العالم وخاصة في دول شرق آسيا لما يحمله هذا الفن من معاني وأهمية في وجدان الإنسان وعلاقته بالطبيعة.

وهذه ترجمة الى المقدمة الرائعة لإفتتاحية معرض ومسابقة بونساي (2) التي ترعاها جمعية فناني الهنتِنج الماليزية لعام 2018م:

فن الهنتِنج هو فن التحكم في الوقت

وهو فن التحكم في التغيير

وهو فن تجد الطبيعة من خلاله أسمى معانيها

هؤلاء الفنانين ليسوا بستانيون بارعون فحسب

وهم بالتأكيد ليسوا مجرد مهتمين بالأشجار

إنهم شعراء

ينظمون شعرا في الجذور وأوراق الشجر

ويكتبون بالماء والتراب

ويشربون الحكمة المنتقاة من ألف حوار بين الفن والطبيعة

بين الحركة والسكون

هلم وتمتع بسماع أغانيهم وشعر التغيير

 

مميزات البونساي:

البونساي او الشجرة المصغرة كائن حي ينمو يوميا فهو فن لا يكتمل ولا يتوقف عن النمو، والفنان الذي يرعاه يتشكل لديه مستقبلا أكثر نضجا لا يتوقف ولا ينتهي إذ أنه يراعي معايير بيولوجية وصحية بشكل مستمر. ومع الوقت والشجرة المصغرة تنمو يمكن للفنان التحكم بشكلها وحجمها كما يريد. والبونساي يمكنها أن تعمر أكثر من الأشجار أمثالها بالحجم الطبيعي بسبب إهتمامنا بصحتها والإصابات التي تلحق بها وإحتياجها من الماء والحماية من الظروف المناخية المتطرفة وإحتواء حالات الآفات التي تتطلب الإزالة.

هذا الفن الجميل يلامس مشاعرنا ويجعلنا نهتم بالملاحظة ونعايش يوميا شيئا جديدا والأجمل أنه ينهل من خبرتنا وتخيلاتنا. نلاحظ جذوع سميكة، ولحاء مركب، وجذور السطح وهي تتشبث بالتربة، والفروع والأغصان والأوراق تتشعب في كل الإتجاهات، وأحيانا فاكهة صغيرة وزهور، وتفاعل مدهش بين الخشب الحي الملتوي والخشب الميت ، ولا ننسى الحوض الذي يجمع كل ما يمكن ملاحظته في مشهد جميل مصغر للطبيعة.

لا يوجد فن تكتمل فيه عوامل حيوية للصورة كهذا الفن لأنك أمام روائع حقيقية متعددة تقودك وبعفوية الى الإنبهار والسعادة وترسم على محياك إبتسامة يصعب أن تجدها أمام أي فن آخر.

البونساي مزيج من المعرفة والفنون البستانية يتشح الجمال ثوبا، والتصميم جلبابا، والوقت والإلمام بمعاييرالعرض والتخزين هدفا. فن يملأ مساحات واسعة من حياة الإنسان بشتى المعارف والقيم. فن يجلب السعادة للفقير والغني، لا يكلف كثيرا من المال لممارسته وقد يكون ثمين جدا إذا ما إكتملت عناصره الفنية.

وهذا الفن بطبيعة الحال يتأصل بالبيئة التي ينشأ فيها ، فنوعية الأشجار والمناخ وطريقة البستنة تتحكم بكثير من عوامل النجاح. ويمكن لكل مجتمع يهتم بالزراعة أن يطور مهارات متعددة لهذا الفن فهو فن يتطور بإستمرار وينمو كما تنمو الأشجار.

الدوخلة والبونساي:

كما أن بونساي تعني شجرة في وعاء وهنتِنج تعني منظر في وعاء فإن دوخلة تعني زبيل من خوص يجعل فيه التمر (3). وإسعنة (إسم يطلق على الدوخلة) (4) من سعن وتعني شيئ شبه الدلو او قربة بالية (5). نلاحظ أن مفردة الدوخلة ومفردة إسعنة تم التركيز في معناهما على الوعاء دون النبات الذي فيه، بينما أسماء البونساي والهنتِنج تم التكريز على الوعاء وما يحويه. تلتقي الدوخلة مع البونساي في كثير من المميزات والمعاني، فلو إستعنا بالنص الذي كتبه المؤرخ والشاعر السيد عدنان العوامي حول الدوخلة (6) لوجدنا الكثير من المشتركات بين الدوخلة والبونساي.

 
ما كتبه السيد عدنان العوامي عن الدوخلة                ما يقابله في فن البونساي
سفيفة من الخوص حوض من البرسلان أو الفخار أو الحجر
يملأونها بتربة زراعية وسماد يملأونه بتربة زراعية وسماد
ويضعون بذورا من الحبوب شعير او حنطة او ماشابه يضعون براعم الأشجار أو شتلات صغيرة
ويتعهدونها بالسقاية والرعاية ويتعهدونها بالسقاية والرعاية
حتى تنبت شجيراتها وتعلو سوقها مع الإهتمام الشديد بالتقليم والتشذيب
مكونة طاقة من الشجيرات الجميلة مكونة شجرة واحدة جميلة
وبعضهم يضع فيها قطعة نقود صغيرة يضعون بها تماثيل صغيرة
وفي عصر يوم العيد يذهبون الى الساحل يذهبون الى المعارض السنوية
في تظاهرة تغمرها البهجة إحتفالات المعارض والنوادي والمسابقات
ويقومون بوضع السفيفات في الماء يحتفظون بها عبر الجيال ولا ترمى
فتتخذ سبيلها فيه سربا مع أنغام الأهازيج لاتخلو مهرجانات البوسناي من الغناء، وبعض أعمال البنجا تكون ورائها قصة او قصيدة شعر.
رعاية الدوخلة تبدأ من شهر ذي الحجة  حتى يوم عيد الضحى (لمدة شهر) رعاية البوسناي تصل الى سنين متواصلة

البونساي والدوخلة يشتركان أيضا بأن كلاهما في الأصل طقوس عبادية فالبونساي يعتقد أنه نشأ مع دخول البوذية الى الصين حيث كانت حكم كونفوشيوس رائجة وأقواله مقدسة ولعل مقولته هذي كانت الأساس لإنطلاق إهتمام الناس بالطبيعة: الحكمة تجد السعادة في الماء والفضيلة تجد السعادة في التراب، وللدوخلة أهازيجها المعروفة والمرتبطة بحج بيت الله الحرام في مكة المكرمة. ولا يستبعد المؤرخ السيد عدنان العوامي (7) بأن إحتفالية الدوخلة بمنطقة القطيف هي ممارسة ضاربة في أعماق التاريخ وأنها إستمرار لحدائق أدونيس التي كان يمارسها الفينيقيون . وكما نعلم أن تاروت كانت قبل الآف السنين تمارس فيها عبادة عشتاروت ، واذا كان نزوح الفينيقيون من اليمن حدث في الألف الثاني قبل الميلاد فإن حدائق ادونيس عمرها يقارب 4000 سنة والدوخلة إمتداد لحدائق أدونيس، وإذا كانت البنجا بدأت قبل 1400 سنة والبونساي قبل 1200 سنة ، فالدوخلة أقدم من البونساي وأقدم من الهنتِنج، وهذه النتيجة إن صحت فهي مؤلمة جدا، فأين إهتمامنا بالدوخلة مقارنة بإهتمام اليابان والصين بالبونساي والهنتِنج.

 

نوادي وجمعيات فن البونساي تجتاح دول العالم وتحظى بالرعاية من الحكومات والمجتمعات بينما لا نرى لا نوادي ولا حواضن للدوخلة. الإحتفاء بالدوخلة يجب أن يرقى لأن يكون فنا قبل أن يكون ممارسة ،الدوخلة تستحق الكثير من الإهتمام والرعاية ونستطيع أن نجعلها فنا يمارسه الكبار ويتعلم منه الصغار لما يتضمنه هذا الفن من مفاهيم وقيم ونشر للسعادة التي نحن أحوج اليها من أي وقت مضى. وعلى الشباب المحبين لتاريخ وطنهم وعشاق الطبيعة العمل على تأسيس نوادي في كل حارة للإهتمام بالدوخلة وتطويرها كما إهتم اليابانيون بالبونساي. اليابانيون لديهم ميل قوي لفرض النظام على إبداعاتهم ، بينما نحن وللأسف لدينا ميل لإحتضان الفوضى على إبداعاتنا، نأمل من شبابنا أن تكون عندهم الإرادة لتغيير هذا الميل من الفوضى الى الإهتمام.

 الخاتمة:

فن البونساي (أو فن الدوخلة إذا إستطعنا تطويرها وتحبيب الناس إليها) هو فن وعلم، الهدف منه خلق تصوير واقعي للطبيعة يظهر الجوانب الجمالية، ويتطلب هذا الفن قدرا متواضعا من مهارات البستنة وإلماما قليلا بالتخطيط والرؤية وشيئا من الصبر، وهي عوامل تبني الإنسان وتطور مهاراته ليملك عين رسام، وخيال شاعر، ويد نحات، وتنمي إحترامه للطبيعة وللكائنات الحية التي تعيش بالقرب منه فيملك قلبا رحيما. فن إذا ما تلاقفه أطفال المجتمع صقل مهاراتهم وغرس فيهم أجمل القيم وقربهم الى الطبيعة والواقعية.  يقترح التربويون في أحدث أبحاثهم تدريس علم المنطق إبتداء من المرحلة الإبتدائية ويقولون أن المنطق يجب أن يكون مقدما على تدريس العلوم والرياضيات لأنه ينمي القدرة على معرفة الخطأ من الصواب ، ولعل تدريس فن (البونساي) والدوخلة مع المنطق للأطفال هو الحلقة المفقودة في علم التربية فبهما يُغرس حب الطبيعة والجمال كما تُغرس الحكمة والإنضباط في نفوس الطلاب ويتعلمون الإحترام وتقدير الآخر.

المصادر:

1) The Ancient Art of Bonsai by Elizabeth Chute, Canadian Country Woman, 2002,  P-4

2)  موقع معرض ومسابقة بونساي برعاية جمعية فناني البنجا الماليزية لعام 2018م بكوالالمبور.

Bonsai Competition & Exhibition by Collectors and Community of Malaysian Penjing Art Creation Society 2018.

3) قاموس المعجم الوسيط، باب الدال ، ص 275.

4) عيون القطيف – الفردوس الموؤود للسيد عدنان السيد محمد العوامي، أطياف للنشر والتوزيع ص 49.

5)معجم لسان العرب، حرف النون، ص 209

6) عيون القطيف – الفردوس الموؤود للسيد عدنان السيد محمد العوامي، أطياف للنشر والتوزيع ص 49-50.

7)  عيون القطيف – الفردوس الموؤود للسيد عدنان السيد محمد العوامي، أطياف للنشر والتوزيع، ص 53.

 

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *