الثلاثاء , يونيو 25 2019

طاقة المستقبل: ماذا بعد عصر الوقود الأحفوري؟ – حسن الخاطر

يشكل الوقود الأحفوري (النفط والغاز والفحم) المصدر الرئيس الأول للطاقة في العالم، ونتيجة لتناقصه بسبب زيادة الطلب العالمي ومساهمته في ظاهرة الإحتباس الحراري والتغيرات المناخية والتلوث إضافة إلى تسببه في حروب الطاقة، كل هذه العوامل جعلت العلماء يفكرون في مصادر بديلة للطاقة تكون متجددة ونظيفة  دون وجود انعكاسات سلبية لها، فما هي التقنيات المستقبلية التي سوف تستخدمها مدن المستقبل للحصول على الطاقة؟

الطاقة الشمسية:

وُلدت الشمس قبل ما يقرب من خمسة مليارات سنة، ومنذ تلك اللحظة وحتى الآن ما زالت ترسل أشعتها إلى الأرض باستمرار، وقد نجح الإنسان بشكل بسيط خلال العقود الماضية في تسخير هذه الطاقة وتوليد الكهرباء عن طريق استخدام الخلايا الكهروضوئية التي تستخدم أشباه الموصلات، إلا أن حصده ما زال بدائيا وليس بالمستوى المطلوب، فأشعة الشمس التي تسقط على الربع الخالي كافية لتغطية احتياجات الأرض بأكملها من الطاقة الكهربائية! ونتيجة التقدم في كفاءة الألواح الشمسية من خلال هندستها بتقنية النانو ففي المستقبل ربما نجد استخداما موسعا في هذه الطاقة النظيفة والمتجددة، وتكون جزءا رئيسا من منازلنا وستصبح منازلنا المستقبلية أحد مصادر الطاقة، ستكون هذه الخلايا على كل سقف وسوف نستبدلها بالنوافذ الزجاجية لمنازلنا وسنضعها فوق السيارات والطائرات وفي جميع الطرقات وليس هذا فحسب سنزرعها في البحار والمحيطات لتكون عندنا محطات شمسية عائمة تمدنا بالطاقة! فتخيل أن منازلنا المستقبلية ستساهم في تجارة الطاقة المحلية وربما العالمية! وعلى أثرها ستختفي أسلاك الكهرباء الموجودة في الطرقات المسببة للتلوث البصري! وستكون سيارات وطائرات المستقبل تعمل بالطاقة الشمسية!

ومن جهة أخرى فإن الطاقة الشمسية الأرضية يوجد عليها بعض القيود كتأثرها بحالة الطقس وعدم فائدتها في الليل إضافة إلى فقدان نسبة كبيرة من الشعاع الشمسي في الغلاف الجوي إضافة إلى احتياجها لمساحات شاسعة على كوكب الأرض، لذلك يكون اللجوء إلى الفضاء هو الحل المناسب، فالفضاء لا يوجد فيه إلا الطاقة التي نبحث عنها، فنستطيع من الناحية النظرية وضع ألواح شمسية عملاقة في المدار الجغرافي الثابت للأرض ونقوم بإرسال هذه الطاقة لاسلكيا إلى كوكب الأرض عن طريق موجات الميكروويف أو أشعة الليزر ونستقبلها على كوكب الأرض ونقوم بتحويلها إلى طاقة كهربائية، كما أنه من الممكن أن نستخدم القمر لهذه المهمة.

الإندماج النووي:

هذه التقنية تعتمد على دمج نواتين خفيفتين من الهيدروجين متحولة إلى الهيليوم وتتحرر طاقة هائلة جدا نتيجة النقص الكتلي، حيث إن كتلة النواة المتشكلة أقل من كتلة مكوناتها، وهذا النقص الكتلي يتحول إلى طاقة هائلة، طبقا لمعادلة أينشتاين الشهيرة.

وتسير هذه التقنية في اتجاهين متعاكسين، فالأول يعرف باسم (الاندماج النووي الساخن) حيث يتم دمج أنوية الهيدروجين في ظروف قاسية جدا من ضغط ودرجة حرارة مثل الذي يحدث في النجوم، بمعني أننا نقوم بخلق شمس صغيرة على كوكب الأرض! ونظرا للمخاطر المصاحبة لذلك إتجه العلماء إلى دمج أنوية الهيدروجين في ظروف عادية دون الحاجة إلى ملايين من الدرجات المئوية، وهذه التقنية تعرف باسم (الاندماج النووي البارد).

وتقنية الإندماج النووي بقسميها غير مستبعدة أن نجدها خلال العقود القادمة، فإذا استطعنا التحكم والسيطرة على هذه الحرارة الهائلة سنكون قاب قوسين من مفاعلات الإندماج النووي الساخن، كذلك ما زالت الأبحاث جارية في تقنية الإندماج النووي البارد باستخدام سبائك النيكل والبالاديوم والنحاس، فتخيل أن الميل المكعب الواحد من المياه الثقيلة الغنية بنظير الهيدروجين الديتريوم طاقة تزيد على كل إحتياطي النفط في العالم! وبواسطة جالون واحد من المياه الثقيلة يستطيع سائق السيارة قطع 55 مليون ميل! وهذا يعني أن مياه البحار والمحيطات التي تشكل ثلثي الأرض ستصبح طاقة المستقبل، وإذا تحقق هذا الشيء بالفعل سيزول عنا هاجس الإفتقار إلى الطاقة حقا! سيصبح المفاعل النووي البارد موجود في كل منزل ووقوده الماء فقط!

وإضافة إلى ذلك فهناك منطقة نشطة للبحث يطلق عليها الإندماج المحفز بالميون، حيث نقوم باستخدام الميونات كمحفز لعملية الإندماج النووي بين نظائر الهيدروجين نظرا لكتلتها الضخمة التي تساعدها على القيام بذلك، ويعد من التفاعلات النووية  ذات الطاقة المنخفضة، بحيث إننا لا نحتاج إلى ظروف متطرفة جدا من ضغط وحرارة مثل الذي يحدث في باطن النجوم.المادة المضادة:

على المدى الطويل سنتوجه لتصنيع المادة المضادة بطريقة فعالة على افتراض أننا توصلنا إلى تقنية متقدمة جدا تفوق تقنية المسرعات الموجودة حاليا أو البحث عنها خارج كوكب الأرض للحصول على الطاقة، فمن الناحية النظرية عندما تلتقي المادة والمادة المضادة فستفني كل منهما الأخرى وتبيدها، وتتحول كتلتهما بشكل كامل إلى طاقة هائلة، فالجرام الواحد من المادة والمادة المضادة ينتج طاقة تزيد عن مجموع الطاقة التي ولدتهما القنبلتان الذريتان اللتان سقطتا على هيروشيما وناجازاكي في عام 1945م! وهذا ما دفع العلماء في تسخيرها للسفن النجمية المستقبلية التي سوف نسافر بها إلى النجوم! حيث إن كمية قليلة من الهيدروجين المضاد  تقدر بــ 17 جراما، كافية لتزويد سفينة فضاء نجمية بالطاقة للوصول إلى أقرب نجم إلينا بعد الشمس (ألفا سنتوري) والذي يبعد أكثر من أربع سنوات ضوئية!  إن التحدي الرئيس الذي يمنعنا من إستثمار هذه الطاقة هو أن التقنيات الحالية غير قادرة على تصنيع المادة المضادة بطريقة فعالة واقتصادية وفي الوقت المناسب، وجميع ما أنتجته مسرعات العالم مثل سيرن أقل من واحد جرام بكثير، فتخيل إن كلفة إنتاج جرام واحد 62.5 تريليون دولار! وهذا يعني أنها أغلى مادة في الكون!

وكمثال على ذلك عندما يلتقي إلكترون بالبوزيترون يحدث لهما إفناء، وخلال هذه العملية تتحول كتلتهما بشكل كامل إلى طاقة هائلة على صورة أشعة (جاما) طبقًا لمعادلة أينشتاين (الطاقة= الكتلة×مربع سرعة الضوء).

مفاعلات الثوريوم:

إن المفاعلات النووية الإنشطارية الحالية تستخدم اليورانيوم أو البلوتونيوم وهي غير محببة لخطورتها والنفايات التي تخلفها والأسلحة النووية المصنعة منها، لكننا في المستقبل سنسمع المزيد عن مفاعلات الثوريوم بديلا عنها لتكون أكثر أمانا، والأبحاث في هذا الجانب واعدة وتتقدم بشكل جيد.

من النفايات النووية إلى الطاقة!

تشكل النفايات النووية مشكلة كبيرة في كيفية التخلص منها، فلماذا لا نبتكر تقنية متقدمة لتحويلها إلى طاقة! هناك بالفعل تجارب مخبرية ناجحة في تحويل النفايات النووية إلى بطارية من الماس! هذه البطارية ستكون ذات عمر طويل يقدر بآلاف السنين! والتي ستوفر إحتياجات العديد من الأجهزة التي تحتاج إلى الطاقة لفترة طويلة كالأقمار الصناعية أو المركبات الفضائية.

إستخراج الطاقة من القمر:

يمثل القمر أحد مصادر الطاقة المحتملة في المستقبل، فغاز الهيليوم3 نادر على كوكبنا، لكنه موجود بوفرة في القمر، ويتميز هذا العنصر بخاصية إستثنائية في الكفاءة العالية في الإندماج النووي والحصول على طاقة هائلة دون وجود نفايات ذات نشاط إشعاعي، ومن الناحية النظرية فمقدار 25 طنا من الهيليوم 3 له القدرة على تزويد الولايات المتحدة الأمريكية باحتياجاتها من الطاقة لمدة سنة كاملة، علما أنه يوجد على القمر ما لا يقل عن مليون طن وهذه كافية لتغطية احتياجات العالم بأكمله من الطاقة لأكثر من ألف سنة!المدن العائمة:

إن أمواج البحار والمحيطات التي تحركها الرياح تحتوي على إمكانات هائلة من الطاقة، إضافة إلى تأثير القمر في ظاهرتي المد والجزر، ومن خلال التوربينات نستطيع تحويل الطاقة الحركية إلى طاقة كهربائية، وقد إستفاد الإنسان بشكل بسيط منها، وعلى مدى العقود القادمة من المرجح أن تتم زراعة المدن العائمة في البحار والمحيطات والإستفادة بشكل متزايد من طاقة الأمواج وتحويلها إلى كهرباء.

الطاقة الحرارية الأرضية:

يتزايد الضغط ودرجة الحرارة كلما إتجهنا إلى الأسفل، ولو افترضنا أننا وصلنا إلى مركز الأرض ستكون درجة الحرارة نفسها الموجودة على سطح الشمس وتبلغ ستة آلاف درجة مئوية، بينما الضغط في مركز الأرض يبلغ 360 جيجا باسكال وهذا يعادل 3.6 مليون مرة من الضغط الجوي على سطح الأرض، ونستطيع أن نستفيد من الفرق بين درجتي الحرارة والضغط في توليد الكهرباء وهذه التقنية مستخدمة حاليا وبالخصوص في الدول البركانية مثل أيسلندا لكنها تحتاج إلى تطوير، فالطاقة الحرارية الأرضية المخزنة في الأرض تكفي لتغطية احتياجات العالم بأكمله من الطاقة إلى مئة ألف سنة!

محطات ثاني أكسيد الكربون:

يساهم تزايد إرتفاع غاز ثاني أكسيد الكربون في ظاهرة الإحتباس الحراري، وهذه المشكلة لاحظها العلماء منذ عدة عقود ووضعوا مجموعة من الحلول لمواجهتها، فمنها دفن ثاني أكسيد الكربون في صخور البازلت، وإنشاء الغابات الصناعية، وتسميد المحيطات بالحديد لتحفيز نمو العوالق النباتية، لكن ما هو أجمل من كل ذلك بكثير لو أننا حولنا التلوث إلى طاقة، ففي المستقبل سنشهد محطات توليد كهرباء تعمل على غاز ثاني أكسيد الكربون بدلا من البخار.الوقود الحيوي:

نتيجة التقدم في الهندسة الوراثية، ربما نحصد الطاقة خلال العقود القادمة من الوقود الحيوي كالطحالب مثلا التي تنتج المواد الهيدركربونية بما فيها الأوكتان، كذلك من الممكن استخدام البيولوجيا الإصطناعية لإنتاج كائنات دقيقة  كالبكتيريا المعدلة وراثيا لإنتاج الوقود، والوقود الحيوي والتقنيات المستخدمة في هذا المجال واعدة وتحقق تقدما جيدا، فمن الممكن أن نرى مصانع مستقبلية لتوليد الطاقة قائمة على الكائنات الحية من نباتات وحيوانات، كذلك من الممكن تخمير الغاز الحيوي والنفايات الزراعية مثل الروث والتبن أو الفضلات الحيوانية كروث الأبقار لتحويلها إلى غاز الميثان الذي ينتج الطاقة! فتخيل ماذا يمكن أن يحدث إذا حولنا الفضلات إلى طاقة!

 الطاقة في كل مكان:

الطاقة تشرق علينا في كل صباح وتحيط بنا من كل مكان، سنجدها في الرياح وأمواج البحار والمحيطات وتدفق المياه من الشلالات، سنجدها في الأعاصير وفي الزلازل والبراكين، وفي ضوء البرق وباطن الأرض، وفي نفايات النباتات وروث الأبقار! سنجدها في كل شيء يحيط بنا! فلماذا لا تحل محل الوقود الأحفوري؟ ولماذا ما يزال اعتمادنا بشكل أساس عليه؟ فنحن نستهلك في كل يوم ما يقرب من مئة مليون برميل من النفط! وهذا الرقم في تزايد وهو يدعو للقلق حقا! لماذا لا نبتكر تقنيات متقدمة في حصد الطاقة من كوكبنا الأزرق ونتجه نحو حضارة كوكبية متقدمة نظيفة ومتجددة وخالية من التلوث ونودع عصر الوقود الأحفوري؟! إن المشكلة الأساس التي تواجهنا ليست في الطاقة بل في كيفية إيجاد تقنيات متطورة تمكننا من حصد هذه الطاقة التي تحيط بنا من كل مكان؟! إن مستقبل الطاقة لا يدعو إلى القلق وليس مخيفا حقا! إن ما يدعو إلى الخوف والقلق هو أننا ما زلنا حتى هذه اللحظة نحرق الفحم من أجل الحصول على الطاقة!

نحو حضارة متقدمة!

تقاس الحضارات المتقدمة بمدى قدرتها على تسخير الطاقة، وهذا هو الأساس الذي اعتمد عليه عالم الفيزياء الروسي نيكولاي كارداشيف عام 1964م، في تقسيمه للحضارات الفضائية الإفتراضية في ثلاث فئات: الكوكبية، والنجمية، والمجرية، فالحضارة الكوكبية هي التي تحصد طاقتها من الشمس ولديها القدرة في التحكم بكوكبها بالكامل كالتحكم في المناخ وتطويع الزلازل والبراكين للحصول على الطاقة، والمعرفة التامة بالبحار والمحيطات وبناء المدن العائمة واستخلاص الموارد الموجودة فيها، أي أن هذه الحضارة تستخدم جميع الموارد المتاحة لها على كوكبها ويسخّرون بمهارة إنتاج الطاقة لكوكبهم كاستخدام الطاقة المتجددة بشكل موسع ومفاعلات الإندماج النووي، وهذه الحضارة متقدمة علينا كثيرا، وبحسب ما يذهب إليه الفيزيائي النظري ميتشيو كاكو فنحن بحاجة إلى مئة أو مئتي سنة للوصول إلى هذه الحضارة! عند ذلك سنكون ضمن الحضارات المتقدمة! وإذا استطعنا بالفعل أن نطوّع بنجاح الطاقة التي يحويها كوكب الأرض بالكامل سنكون ضمن الحضارة الكوكبية، سننطلق حينها إلى حصد الطاقة من النجوم القريبة إلى كوكبنا بعد الشمس مثل نجم ألفا سنتوري، بعد ذلك سيكون حلمنا تطويع جميع النجوم التي تحويها مجرتنا والتي تقدر بمئتي مليار نجم! وتصبح المجرة بما تحويها من مادة مظلمة تحت سيطرتنا!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *