الثلاثاء , ديسمبر 11 2018

نحن والعولمة – د. عبد الجليل عبد الله الخليفة

العولمة ظاهرة عالمية بدأت منذ أن سكن الإنسان الأرض، فقد سافر لكسب العيش و إكتشاف المجهول ولقاء أخيه الإنسان،  ولكنها بدأت بطيئة و محدودة في غابر الأزمان ثم تسارعت مع تطور التكنولوجيا في القرون الأخيرة.  و بعد الحرب العالمية الثانية، وضع الأقوياء لها الأرضية القانونية التي تحقق مصالحهم ، حتى إذا أخذت زخمها السريع مع تطور الإتصالات و المعلومات و الوسائل التجارية، جلبت الأرباح و الثروات الطائلة للشركات العالمية على حساب المنتجات المحلية و الصناعات الوطنية.  وقد طأطأت الدول رؤوسها أمام زحف الشركات العالمية واستجابت لشروطها و كأنها تخطب ودها و تستجدي استثماراتها.

ليست العولمة اقتصادية فقط،  بل لها جوانب أخرى لاتقل أهمية، فهي تسعى الى تعميم الثقافة المادية الغربية على حساب الثقافات العالمية الآخرى.  فهي قد عبرت الحدود و اخترقت الأسوار دون إستئذان فدخلت المضاجع و تحدثت مع الأبناء و البنات.  فتغيرت الأذواق و الأنماط الإستهلاكية و معها بعض الأعراف و العادات الإجتماعية.

و نظرا لأهمية العولمة و أثرها المباشر على حياتنا الإقتصادية و الثقافية، سنحاول فيما يلي الإجابة على الأسئلة التالية:  ما هي فلسفة العولمة؟ هل حققت العولمة الرفاهية لجميع الناس ام أنها ركزت الثروة في يد أغنياء العالم الكبار؟ هل هي قدر محتوم و ضرورة قصوى للتنمية و ماهي الطريقة المثلى للتعامل معها؟  

الإنسان اجتماعي بالفطرة:

 يولد الإنسان في أسرة و الأسرة جزء من قبيلة و القبيلة تقطن في جوار قبائل أخرى ضمن شعب الى جانب شعوب أخرى.  و هكذا تربط الإنسان بالكثير من الناس روابط مختلفة نسبية وعاطفية و حياتية و فكرية وتجارية تلبي فيه حاجات فطرية كثيرة منها مادية كضروريات العيش من مأكل و ملبس و مسكن و منها نفسية كثقته بنفسه و منها اجتماعية كإحساسه بالإنتماء لجماعة من البشر توفر له السعادة و الأمن. و كلما سعى الإنسان لتحقيق تكامله في الحياة أحس أكثر و أكثر بحاجته لمجتمعه. و هكذا أصبحت علاقة الإنسان بأخيه الإنسان مهمة و ضرورية لأنها تلبي حاجات فطرية ولد بها الإنسان.

و قد حاول الإنسان آلاف السنين أن يفلت من سجن الجغرافيا ليلتقي بأخيه الإنسان و ليلبي حاجاته، فركب الحيوانات للسفر و التجارة عبر البراري، و السفن الشراعية البطيئة عبر البحار. ثم سخّر طاقاته الفكرية لتطوير وسائل المواصلات و الإتصالات تدريجيا حتى إخترع الماكينة البخارية و أستخدمها لتشغيل السفن والقطارات،  وفي اوائل القرن العشرين إخترع السيارات و الطائرات.  ثم شقّ القنوات لتقريب المسافات كقناة السويس و غيرها فراجت التجارة البحرية بين أقطار الدنيا.

و حاول الإنسان أن يتواصل مع أخيه الإنسان البعيد عنه، فكانت الرسائل هي الطريقة الوحيدة المتاحة سابقا.  و بعد تطور العلوم،  إخترع التلغراف  في آواخر القرن التاسع عشر فأصبح نقلة مهمة في عالم الإتصالات تم عبره ارسال الأشارات و الأوامر عبر المحيطات[1].  فبدلا من إرسال الرسائل عبر المحيط الأطلسي خلال ثلاثة أسابيع في السفن البخارية، استطاع التلغراف ارسال 300 كلمة خلال سبع الى ثمان دقائق فقط.  ثم إخترع الهاتف في آواخر القرن التاسع عشر و بعده الفاكس  والشبكة العنكبوتية (الانترنت) و البريد الألكتروني و أخيرا الهاتف الجوال في القرن العشرين.

و في مسيرة الإنسان التكاملية، تعلم الكتابة و القراءة ليوثق تجاربه و أفكاره و ليتعلم من الآخرين.   فأنتقلت الأفكار و الثقافة بين المجتمعات تاريخيا بالسفر او عبر الكتب و المراسلات، فقد سافر طلاب العلم الى أقصى الدنيا و تعلم الناس اللغات المختلفة و أختلطت الثقافات بين الدول و المجتمعات، و لكنها بقيت ضمن مجموعة محدودة من الناس و لم تكن على نطاق واسع. و لعبت التكنولوجيا دورا مهما حيث ظهرت الطباعة الحديثة في منتصف القرن الخامس عشر و انتشرت الكتب على نطاق واسع، ثم أخترعت أجهزة البث و العرض كالراديو و التلفزيون و السينما وبدأت تتسارع وتيرة التأثير الفكري و الثقافي،  و أستمرت في تسارعها حتى بلغت ذروتها حاليا عبر وسائل التواصل الإجتماعي.  و قد يخبيء المستقبل وسائل أفضل لتقريب المسافات بين الأمم و الشعوب، و هو اتجاه لايمكن الفرار منه بل يجب الترحيب به و الإستعداد له.

و هكذا اقتربت المسافات بفضل التلغراف و القطارات و السفن البخارية و أصبح البشر أكثر حركة و مرونة، فبين 1840 و 1940 م هاجر 58 مليون اوربي الى الولايات المتحدة الأمريكية، و هاجر 52 مليون هندي و صيني الى شرق آسيا و استراليا و جزر المحيط الهادي.  و ينتقل الآن ملايين البشر (تسعة ملايين مسافر بالطائرات يوميا في عام 2014م حسب الإياتا. هذا بالإضافة الى عشرات الملايين بالسفن و السيارات و القطارات).

الطمع و القوة العسكرية:

 احتاج الفرد منذ القدم ليعيش مع الآخرين في مجتمعه ليلبي حاجاته الفطرية و ليستفيد من ثروات الطبيعة و يواجه مصاعب الحياة، فلمس عن قرب قوة المجتمع مقارنة بقوته المحدودة. و لكنه احتاج لتنظيم علاقاته بالآخرين الى نظام اجتماعي يحفظ حقوق الجميع و يدير شؤونهم و يحقق مصالحهم فأخذ البعض هذا النظام من الأديان ثقة بأن الخالق أعرف بشؤون المخلوق، أما البعض الآخر فوضع نظامه حسب فكره و اجتهاده. و بناء على هذا النظام ، تأسست الدول لتطبيق النظام و حماية الأفراد و ادارة شؤونهم و تحقيق مصالحهم.

كان من المفترض أن تعيش الدول بسلام ضمن حدودها الجغرافية، إلا أن دافع الطمع و حب السيطرة كان سببا للتنافس و النزاعات، فتحولت هذه الحدود من مناطق اختلاط ووئام الى مناطق توتر و صدام.  و هذا مادفع المجتمعات و دولها للحصول على مصادر القوة للدفاع عن نفسها حينا و للسيطرة على الآخرين أحيانا أخرى. و من مصادر القوة التي تسعى الدول و المجتمعات للحصول عليها :

القوة العسكرية و الإقتصادية و الفكرية و العلمية و التكنولوجية و كذلك القوة الإجتماعية المتمثلة في وحدة المجتمع ووضوح أهدافه واستعداده للتضحية من أجلها.

وهكذا لعب قانون الغلبة و التدافع دوره، فتغلبت الدول القوية على الدول الضعيفة واجتاحتها عسكريا او سيطرت عليها اقتصاديا و حاولت تغيير النمط الإجتماعي لشعبها بما يضمن مصلحة الجانب الأقوى.  و نتيجة لذلك عانى العالم الأمرين تاريخيا في صراعات راح ضحيتها الملايين فتأخّرت البشرية قرونا من الزمن و خير مثال على ذلك الحربين العالميتين الأولى و الثانية.  فلم تكن الخسارة فقط عشرات الملايين من القتلى و الجرحى بل أخّرت هذه الحروب التطور البشري العلمي و الإقتصادي.  فالتضخم مثلا لم يكن موجودا طيلة القرنين الثامن عشر و التاسع عشر، و لكن نتيجة الدمار و الخسائر في الحرب العالمية الأولى اضطرت بريطانيا و فرنسا و غيرهما الى طباعة الأموال فارتفع التضخم الى معدل 15% احيانا مما ساعد في خفض قيمة ديونها الحقيقية ثم إنخفض الى مابين 2 و 6% و هو يبلغ حوالي 2% في العقود الأخيرة.[2]

لكن إستخدام السلاح النووي في الحرب العالمية الثانية و سرعة تطويره بعد ذلك بكميات خطيرة، كان رادعا أعاق اندلاع حروب عالمية عظمى و لكنه لم يمنع التنافس الإقتصادي و التكنولوجي و الحروب الباردة. فالهدف لم يزل هو السيطرة على الدول الأضعف للإستفادة من مواردها الطبيعية و أسواقها الإستهلاكية.  و كان هذا واقعا معاشا طيلة الفترة الإستعمارية في القرنين التاسع عشر والعشرين. فبعد تضحيات جسام، إنسحب المستعمر عسكريا من الدول المستعمرة و لكنه بقي مشغوفا بخيراتها. و بقيت موازين القوى مختلة في صالح القوى الإستعمارية في جميع النواحي الإقتصادية و العسكرية و التكنولوجية.

الطمع والقوة الناعمة:

بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية،  أرادت الولايات المتحدة الأمريكية و حلفاؤها الغربيون الإستفادة من انتصارهم العسكري و ذلك بتأسيس قوة ناعمة تتناسب مع مرحلة السلم للحصول على جائزتهم الإقتصادية في مجال التجارة العالمية، وأن تعزز هذه القوة الحركة الإقتصادية في العالم الغربي المتحالف ضد الإتحاد السوفيتي ومحوره الشرقي.  فعقدت عدة اجتماعات حتى توصلت هذه الدول الى “الإتفاقية العامة للتعريفات الجمركية و التجارة” بما يسمى (الجات) او

(GAAT  –  General Agreement on Tariffs and Trade) فانخفضت التعريفات الجمركية و ازدادت حركة التجارة العالمية بمعدل 6% سنويا مما رفع المستوى المعيشي و النمو الأقتصادي في الدول الصناعية.

وتأسست منظمة التعاون الإقتصادي والتنمية Organization for Economic Cooperation and Development, OECD نتيجة التعاون النفطي و الإقتصادي بين امريكا و حلفائها منذ الحربين العالميتين الأولى والثانية و خلال العدوان الثلاثي على قناة السويس حيث تكونت لجان التنسيق بين الحكومات و الشركات لتوزيع مواردها النفطية و الحد من آثار شحة النفط التي حدثت انذاك.

 و قد تم التوقيع رسميا على تأسيسها في باريس يوم 14 ديسمبر 1960م و تأسست فعلا في 30 سبتمبر 1961م و تهدف حسب نظامها الى: تحقيق أعلى نسبة نمو و مستوى معيشة و توفير وظائف في البلدان الأعضاء للمحافظة على الإستقرار المالي و المشاركة في تطوير البلدان الأخرى في العالم، و للمساهمة في التطوير الإقتصادي للدول الأعضاء و غير الأعضاء، و للمساهمة في تشجيع التجارة العالمية و بدون تمييز وفق القوانين العالمية.

وكان الأعضاء المؤسسون هم: الولايات المتحدة الأمريكية، بريطانيا، فرنسا، ألمانيا ، ايطاليا، هولندا، النمسا، بلجيكا، كندا، الدنمارك، اليونان، ايزلند، ايرلنده، لوكسومبورج، النرويج، البرتغال، أسبانيا، السويد، سويسرا و تركيا. ثم التحقت الدول التالية: اليابان (1964م)، فنلنده (1969م)، استراليا (1971م)، نيوزلنده (1973م)، المكسيك (1994م)، التشيك (1995م)، هنغاريا (1996م)،بولنده (1996م)، كوريا (1996م) و سلوفاكيا (2000م).

و الملاحظ انه قد ولدت من رحم هذه المنظمة وكالة الطاقة الدولية (International Energy Agency, IEA)  والتي أنشأت في عام 1974م لتلعب دورا حيويا مضادا للدول المصدرة للنفط.

الى جانب آخر تم تأسيس بعض الأسواق العالمية مثل السوق الأوروبية المشتركة في عام 1957م بين دول غرب أوروبا و كذلك منطقة التجارة الحرة في امريكا الشمالية بين كندا و امريكا و المكسيك في عام 1994م (نافتا)  North  America Free Trade Agreement.  فبينما كان الإقتصاد الأمريكي رافعة سوق نافتا، كان الإقتصادان الألماني و الفرنسي رافعة السوق الأوربية المشتركة. و الدافع الى تأسيس هذه التجمعات هو تكوين تكتلات و اسواق اقتصادية تزيل المعوقات التجارية امام حركة السلع المنتجة و تستفيد من اسباب القوة بين دول التكتل للتنافس على مستوى العالم.

منظمة التجارة العالمية:

بعد عدة جولات تفاوضية لمجموعة الجات يمتد بعضها لعدة سنوات تأسست منظمة التجارة العالمية (WTO)  في عام 1995م و مقرها في جنيف، و يبلغ عدد أعضائها حاليا 164 دولة،  و تزعم المنظمة أن أهدافها مايلي:

  1. إقامة عالم اقتصادي يسوده الرفاهية يضمن الإمداد المستمر بالسلع والمواد الخام و أن تكون الأسواق مفتوحة دائما،
  2. نشوء عالم اقتصادي مزدهر يتمتع بالسلام بدون نزاعات سياسية أو عسكرية. وبخفض الحواجز التجارية تزول الحواجز الأخرى بين الأفراد والدول،
  3. توفير الحماية المناسبة للسوق الدولي،
  4. إيجاد وضع تنافسي عالمي يعتمد على الكفاءة الإقتصادية،
  5. التوظيف الكامل لموارد العالم.
  6. تشمل الإتفاقية السلع و الخدمات و الملكية الفكرية و تسوية النزاعات و آلية مراجعة السياسة التجارية و اتفاقية التجارة الثنائية و اتفاقية إجراءات الإستثمار المرتبطة بالتجارة.

و وضعت المنظمة  نظاما للإلتحاق بها يشمل جولات تفاوضية للدولة الملتحقة مع مجموعة الأربع و هم الإتحاد الأوربي و الولايات المتحدة و اليابان و كندا مجتمعين و كلا على حدة، و بعد موافقتهم يتم عرض الطلب على أعضاء المنظمة الآخرين مجتمعين ليتم الموافقة على الإلتحاق و من ثم يطلب من الدولة الملتحقة موافقة برلمانها على الطلب قبل إمضائه رسميا، و لذلك تستغرق عملية الإلتحاق عدة سنوات.  و هكذا التحقت الكثير من الدول و منها الصين التي التحقت  في عام 2001م.  و تتعهد الدولة الملتحقة كل بحسب اتفاقه و قوته التفاوضية، و لكن عموما تتعهد الدول الضعيفة بفتح حدودها و اسواقها امام الشركات العالمية في الدول الأعضاء و منتجاتها و ايقاف الدعم الوطني للصناعة المحلية و أن يعامل المنتج المحلي و الدولي على حد سواء و ان تقاوم الدولة أي ضغوط محلية لحماية صناعتها و منتجاتها الوطنية.

صندوق النقد الدولي و البنك الدولي:

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، سعت الولايات المتحدة الأمريكية و اوروبا لتأسيس صندوق النقد الدولي و البنك الدولي  كأدوات لبسط هيمنتها  وقوتها الناعمة.  فقد تأسس صندوق النقد الدولي في مؤتمر بريتون وودز و ميثاقه هو:  مؤسسة دولية تشرف على النظام النقدي الدولي وتعمل على إلغاء قيود الصرف المرتبطة بالتجارة في السلع والخدمات وتحقيق استقرار أسعار الصرف، و يهدف الصندوق الى :

تشجيع التعاون الدولي في الميدان النقدي، وتشجيع التوسع في التجارة الدولية، وبالتالي الإسهام في رفع مستوى الدخل الحقيقي و تنمية الموارد الإنتاجية، والعمل على تحقيق الإستقرار في أسعار الصرف وتجنب التخفيض التنافسي في قيم العملات، وإلغاء القيود المفروضة على عمليات الصرف والتي تعرقل نمو التجارة العالمية، و تدعيم الثقة لدى البلدان الأعضاء، و يمنح الصندوق بعض الدول استخدام موارده لتصحيح ميزان مدفوعاتها ضمن شروط معينة و لمدة قصيرة.

و اتفقت البلدان التي انضمت إلى الصندوق فيما بين عامي 1945 و 1971 على ربط عملاتها بالدولار الأمريكي، حيث تعهدت الولايات المتحدة ان تربط قيمة الدولار الأمريكي بالذهب.  و يمكن تعديل سعر الصرف اذا وجد اختلال جذري في ميزان المدفوعات وبموافقة صندوق النقد الدولي. ويطلق على هذا النظام اسم نظام بريتون وودز لأسعار الصرف، وقد ظل سائداً حتى عام 1971 عندما أوقفت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية ربط الدولار بالذهب، أي انها قررت فجأة تعويم الدولار، معلنة بداية انخفاض قيمته.

وفي نفس الوقت تم تأسيس البنك الدولي للإنشاء والتعمير المعروف باسم البنك الدولي لتشجيع التنمية الإقتصادية طويلة الأجل بتمويل مشاريع البنية التحتية، مثل بناء الطرق وتحسين إمدادات المياه و المشاريع  طويلة الأجل المتعلقة بالتنمية وتخفيف حدة الفقر. ويقدم البنك الدولي القروض إلى البلدان النامية لتمويل مشاريع البنية التحتية والإصلاحات الهيكلية الأوسع نطاقاً، بينما يقدم صندوق النقد الدولي دعما عاما لميزان المدفوعات ولإحتياطيات البلد المعني.

و هكذا و بدعوى الإصلاحات الهيكلية يفرض صندوق النقد الدولي و البنك الدولي شروطا قاسية على الدول الفقيرة و المحتاجة اقتصاديا ضمن برنامج تأهيل يمكنها من استلام قروض تنموية.  و من ضمن شروط التأهيل رفع الدعم عن السلع الأساسية و ايقاف الرعاية الإجتماعية و تخفيض مصاريف القطاع الحكومي و تخصيص المؤسسات التابعة للدولة و فتح الأسواق و الغاء العوائق التجارية امام الشركات الكبرى.

و هكذا تشجع منظمة التجارة العالمية و صندوق النقد الدولي والبنك الدولي سياسة الأسواق الحرة و ترى أنها السبيل الوحيد لتنمية الدول الفقيرة.

 فلسفة العولمة الإقتصادية:

 يعتمد مؤيدو العولمة على نظرية التكاليف النسبية للإقتصادي البريطاني ديفيد ريكاردو في القرن التاسع عشر.  فقد أراد ريكاردو أن يثبت ان التجارة الدولية ستجلب الخير للدول الأقل انتاجية.

ولتوضيح نظرية ريكاردو، دعنا نفترض وجود دولتين كلاهما يصنع النسيج و السيارات.  الدولة الأولى تنتج ساعة العمل الواحدة فيها في صناعة النسيج قيمة تعادل انتاج الساعة و نصف من العمل في صناعة السيارات. بينما الدولة الثانية تنتج ساعة العمل فيها في صناعة السيارات قيمة تعادل انتاج ساعة و نصف من العمل في صناعة النسيج.  أي ان الدولة الأولى تبدع في صناعة النسيج بينما الدولة الثانية تبدع في صناعة السيارات، مما يجعل قيمة النسيج في الدولة الأولى أرخص من قيمته في الدولة الثانية، بينما قيمة السيارات في الدولة الثانية ارخص منها في الدولة الأولى.  فلكل دولة من الدولتين تفوق نسبي في احد الصناعتين نظرا لإنخفاض التكلفة النسبية لهذه الصناعة فيها. من هنا يرى ريكاردو أنه من الأجدى اقتصاديا أن تتخصص الدولة الأولى في صناعة النسيج بينما تتخصص الدولة الثانية في صناعة السيارات.  و بهذا يتمكن مواطنو الدولتين من شراء النسيج و السيارات بأسعار أقل نظرا لتوفير التكلفة مما يحقق مزيدا من الرفاهية لمواطني الدولتين.

و هنا بعض الملاحظات:

  • العالم مقسم الى دول ذات اقتصاديات و موارد و مستوى معيشي مختلف. و مسؤولية الدول أن تضمن مصالح الأفراد فيها و تحقق لهم دخلا يكفي لإعالة أسرهم في حياة كريمة.  و لايمكن للسوق من خلال نظرية ريكاردو ان يحقق الرفاهية العادلة للجميع، بل يجب على الحكومات أن تتدخل و تحمي شركاتها و مصانعها مقابل طوفان شركات الدول الغنية و المتطورة. و هذا مافعلته الولايات المتحدة و بريطانيا قبل قرنين من الزمن فقد حققت تطورها الإقتصادي في ظل حماية حكومية صارمة لدعم المنتجات و الصناعة الوطنية، و كذلك فعلت النمور الآسيوية في القرن المنصرم.  فقد دعم رئيس وزراء بريطانيا روبرت والبول و الذي ادار بلاده بين عام 1721 و 1742م الصناعة و الشركات الوطنية في بريطانيا في بداية عصرها الصناعي و فرض إجراءات حمائية لها.  و هكذا نجحت بريطانيا لحماية صناعة الصوف فيها رغم منافسيها بلجيكا و هولندا و هذا ماحقق لها الكثير من الأموال و التي ساعدتها في اطلاق الثورة الصناعية بعد ذلك.  و لم تتبنى بريطانيا السوق الحرة الا في عام 1860م، عندما بلغت القمة في مستواها الصناعي . و لعل تجربة كوريا الجنوبية في صناعة الحديد و الصلب خير مثال، و كذا تجارب سنغافورة وماليزيا و غيرهما من النمور الآسيوية[3]. فصناعة الحديد و الصلب تحتاج الى رأس مال كبير و الى مواد خام و كلا الأمرين لم يكن موجودا في كوريا الجنوبية آنذاك، بل أضطرت الى استيراد خام الحديد من استراليا و كندا.  و لتزيد الطين بلة فقد عينت رئيسا لإدارة المشروع و لكنه ليس من رجال الصناعة بل احد ضباط الجيش المتقاعدين. ولم يقبل أي من المستثمرين الأجانب المشاركة في هذا الإستثمار، لأنهم كانوا على يقين بفشل هذا التدخل الحكومي السافر في توجيه الصناعة.  و نتيجة اعتذارهم،  أضطرت كوريا الجنوبية لإستخدام تعويضات الحرب التي تدفعها اليابان لكوريا للإستثمار في صناعة الحديد. و بهذا الإصرار و العزيمة، بدأت كوريا الإنتاج عام 1973 لتصبح في منتصف الثمانينات من ارخص منتجي الحديد في العالم.  و كذلك تدخلت حكومة كوريا الجنوبية في الستينات لتمنع شركة LG من الدخول في صناعة الأقمشة و لتوجهها الى صناعة الكيبلات و الألكترونيات. و كذلك فعلت مع شركة هونداي اذ وجهتها لصناعة السفن.  و هكذا نجحت حكومة كوريا الجنوبية في اطلاق و دعم الكثير من الصناعات الوطنية حتى أصبحت تتنافس على مستوى العالم،
  • دول العالم ليست في نفس المستوى الصناعي و التكنولوجي والإقتصادي. و لو تركنا للتكاليف و التفوق النسبي حرية القرار لبقيت بعض البلدان خالية من الصناعة نتيجة تأخرها العلمي و الإقتصادي، وهذا ما يفسر الفجوة الواسعة بين دول الشمال الغنية و دول الجنوب الفقيرة،
  • مقارنة ريكاردو في التكاليف و التفوق النسبي قد تفترض مايلي: حرية الأفراد في التنقل و العمل في أنحاء العالم و هذا ليس صحيحا فهناك قيود على الهجرة و العمل و غير ذلك، او أن جميع الأفراد سيحصلون على عمل يستنفذ طاقتهم كاملة في اوطانهم و هذا غير ممكن في أغلب الأحوال. و كذلك أن أجرة العامل الشهري متقاربة بين البلدان المختلفة و هذا غير صحيح أيضا.
  • رفاهية الأفراد لاتقتصر على انخفاض سعر شراء سلعة معينة، بل تعتمد على تحقيق دخل مناسب يكفي لإعالة أسرهم و شراء ضروريات الحياة، حتى لو كان المنتج أغلى سعرا. فالعمل يمثل حاجة ضرورية للإنسان يحقق له الدخل الكافي لمعيشته الكريمة و يمنحه الثقة بالنفس و الإنتماء الى جماعة يعمل معها و يكون عضوا فاعلا فيها.

مدرسة شيكاغو – حرية السوق و الرفاهية العالمية:

 بعد سقوط الإشتراكية و جدار برلين، حصل النظام الرأسمالي و اقتصاد السوق على طاقة جديدة و اندفاعة قوية .  و حين تبنت تاتشر في بريطانيا و ريغان في امريكا مدرسة شيكاغو و الليبرالية الجديدة، إنطلقت مرحلة تخصيص طالت أغلب المؤسسات الحكومية في امريكا وبريطانيا. و تزعم مدرسة شيكاغو (ملتون فريدمان) او مايسمى بالمدرسة النقدية (نسبة للنقد اي المال) بأن السوق الحر كفيل بتحديد الأصلح إقتصاديا و أن التدخل الحكومي هو السبب الرئيس لضعف الكفاءة الإنتاجية.  و هي ترى أن قدرة البنوك المركزية على تغيير سعر الفائدة كفيل بمعالجة ظاهرتي التضخم و البطالة و لإعادة الحركة الإقتصادية الى النمو و الأزدهار (ترفع سعر الفائدة في زمن التضخم و تخفض سعر الفائدة في زمن الإنكماش الإقتصادي).  و لتعميم هذه المدرسة عالميا، فإنها تتطلب رفع جميع العوائق لحركة المال و البضائع و الخدمات ليتمكن السوق من رفع الكفاءة الإنتاجية و تحقيق أعلى مستوى للرفاهية. لذلك يجب أن تحصل الشركات العالمية العابرة للقارات على حق اختيار الدول المناسبة لإقامة مصانعها بما يضمن لها حق التملك و الإستثمار و مضاعفة الأرباح لمستثمريها، و هذا يخلق ضغوطا شديدة على الدول و الحكومات للمنافسة في جذب الشركات بتقديم الدعم للشركات و خفض الضرائب المفروضة على أرباحها.

و هكذا يمكن أن تستثمر الدول الغنية الغربية رؤوس الأموال و التكنولوجيا في بعض الدول كالصين و الهند مستفيدة من الأيدي العاملة الرخيصة لإنتاج البضائع بتكلفة رخيصة و كذلك تقديم خدمات هندسية ومعلوماتية و غيرها. و لضمان تسويق هذه المنتجات لابد من الضغط على دول العالم الأخرى لفتح اسواقها و رفع الدعم عن صناعتها المحلية.  وبهذا يستفيد مئات الملايين في الصين والهند إذ سينتقلون من الأرياف الفقيرة للعمل في المصانع المنشأة من قبل الشركات الغربية في المدن. أما الأرباح فستجد طريقها الى جيوب الشركات الغربية و التي سترتفع قيمتها السوقية مما يزيد من ثروة المساهمين الغربيين.  و هكذا تتواصل الدورة الرأسمالية فتتضاعف ثروة الأغنياء المستثمرين في الشركات الكبرى، مستفيدة من فقراء الصين والهند للعمل بأجور منخفضة و من أسواق الدول الأخرى التي يتم إغراقها بالمنتجات الرخيصة.

هل السوق حر؟

لا يوجد واقعا سوق حر فهناك الكثير من القرارات الحكومية التي تحرسه و تدعمه فمثلا:

  • اذا كانت سياسة السوق المفتوح تدعي بأن تدخل الحكومات يضر بكفاءة السوق فلماذا تسمح لحكوماتها و منظماتها بالضغط على الدول لفتح أسواقها،
  • الدول المؤسسة للمنظمات و التي تتبنى سياسة السوق المفتوح لاتزال تمارس حماية لأسواقها، فهي تتبنى تعريفات جمركية على البضاعة المنافسة، و تفرض ضرائب باهضة على المواد كالبترول مثلا بدعوى الحفاظ على البيئة،
  • لولا تدخل الحكومات في عام 2008م لإنقاذ شركاتها و بنوكها لتضاعفت المشكلة المالية، و لتدهورت الحالة الإقتصادية،
  • كل الدول الصناعية تبنّت سياسة حمائية لمصانعها قبل قرنين من الزمن و قدّمت الدعم لصناعتها المحلية حتى استطاعت المنافسة عالميا،
  • تمارس الحكومات الغربية كافة الضغوط على الدول الأخرى للإستثمار في دولها و عقد صفقات مع شركاتها، وخير مثال على ذلك المنافسة الحادة بين اوروبا التي تدعم شركة الإيرباص و الولايات المتحدة الأمريكية التي تدعم شركة البيونغ،
  • جميع الدول النامية التي تبنت سياسة السوق المفتوح و رضخت لتوجيهات صندوق النقد الدولي عانت الأمرين فقد غطست في وحل الديون و تحطمت صناعتها المحلية و أنكمشت أقتصاديا.[4]

  فشل العولمة الإقتصادية في الولايات المتحدة:

 تميزت السياسة الإقتصادية في الولايات المتحدة بالتغير حسب المصالح الخاصة بها فانتقلت من الحماية الى الإنفتاح و هي تتأرجح الى الحماية و محاربة العولمة حاليا كما يتضح هنا:

 لقد أستفادت الولايات المتحدة من تفوقها النسبي في عدة مجالات عبر القرن العشرين حسب ما لخصه[5] روبرت غوردن، منها:

  • التصنيع بين عام 1920- 1970م، مستفيدة من اختراعات القرن التاسع عشر كإنتاج البترول و ماكينة الإحتراق الداخلي و الكهرباء و السيارات و الطائرات و التلفون و  غيرهم،
  • المعلوماتية و الحواسب الآلية والانترنت و هي بين عام 1994 و 2004م،

و نريد هنا أن نضيف مرحلتين أخريين، و هما :

  • المنتجات المالية و التي بدأت من السبعينات و أستمرت حتى الأزمة المالية في عام 2008م، و هي مايطلق عليها وارنر بوفت (الأسلحة المالية ذات الدمار الشامل)[6]، وقد إنخرطت فيها حتى الشركات الصناعية المشهورة في الولايات المتحدة مثل GM, GE, Ford و التي توسعت في نشاطها المالي كثيرا ففي عام  2003 كانت أرباح النشاطات المالية تمثل حوالي 45% من مجموع ارباح شركة GM  كاملة.و في عام 2004، بلغت أرباح النشاطات المالية  80% من مجموع ارباح شركة [7]GE.
  • التطبيقات المعلوماتية مثل الفيس بوك و القوقل و الأمازون و غيرها و معها الأبل و غيرها من شركات الأجهزة الذكية المحمولة و هي مستمرة حتى وقتنا الحاضر.

و أنتقلت السياسة الأقتصادية في مراحل مختلفة كما يلي:

  1. مرحلة التأسيس و الحماية: بعد تولي هاملتون وزارة الخزانة الأمريكية عام 1789 بسنتين و هو في عمر 33 عاما، وضع خطة التنمية الإقتصادية الأمريكية حيث أوضح ان الصناعات في بدايتها كالجنين في بطن أمه لابد لها من حماية و استثمار حكومي و الا فلن يكتب لها النجاح. و هكذا فعل أغلب الرؤساء الأمريكيين آنذاك، فالرئيس جورج و اشنطون في قسم حلف اليمين، أصر على لبس ملابس نسجت في امريكا بدلا عن الملابس البريطانية الفاخرة.  و كذلك ابراهام لنكولن و بنيامين فرانكلين و الذين فرضوا رسوما جمركية عالية على المواد المستوردة.

  1. مرحلة القوة و الإنفتاح: تحتاج الرأسمالية لمضاعفة أرباحها الى استخدام اليد العاملة الرخيصة، و حيث أنها أضطرت للحفاظ على استقرارها تاريخيا و لمحاربة الإشتراكية الى رفع أجور اليد العاملة في بلدانها و توفير بعض حقوق العمال كالتأمين الإجتماعي و غيره فقد ارتفعت تكلفة اليد العاملة و تكلفة المنتجات التصنيعية وقلت ارباحها.  و حيث أن التصنيع يحتاج الى يد عاملة كثيرة، ونظرا لإرتفاع الأجور فقد فقدت الولايات المتحدة و غيرها من البلدان الصناعية تفوقها النسبي على بقية العالم في هذا المجال. و لكنها أرادت الحفاظ على أرباحها في مجال التصنيع فوجدت أن هذا لا يتحقق إلا بنقل مصانعها الى مناطق عالمية تتميز برخص اليد العاملة و القرب من الأسواق و قلة تكاليف الإهتمام بالبيئة.  و لكن لتوفير الأرضية المناسبة، لابد من وضع أسس قانونية و عملية تضمن حقوق و ملكية الشركات و المستثمرين الغربيين في هذه الدول.  وهنا تبرز أهمية منظمة التجارة الدولية التي لعبت الدور الرئيسي لتوفير هذه الأرضية فسنّت القوانين و سمحت بالتملك للأجنبي و ضمنت حرية نقل الأموال. فنظراً لرخص أجور العمالة و لإنخفاض تكاليف البيئة و هرباً من الضريبة العالية، أصبحت الصين في قطاع التصنيع و الهند في قطاع الخدمات هما المتفوقتان نسبيا على دول العالم الآخرى، فنقلت الشركات مصانعها من البلدان الغربية الى الصين و التي أصبحت ورشة العالم للتصنيع و كذلك نقلت مكاتب خدماتها المعلوماتية و اللوجستية الى الهند. و هكذا هيمنت الشركات العالمية على ثلثي التجارة الدولية، فهي تملك مصانع في عشرات الدول تعود ملكيتها للشركات الأم و تستفيد من انخفاض تكلفة النقل فتجمع أجزاء المنتج من مصانعها المختلفة في أنحاء العالم لتجميعها في احدى الدول و من ثم تنقلها الى الأسواق العالمية المفتوحة امامها.
  2. مرحلة الحماية حاليا: انطلق المارد من القمقم و استفادت الشركات من العولمة على حساب الأفراد في الدول المتطورة كالولايات المتحدة و غيرها مما أوجد نقمة شديدة ظاهرة للعيان و السبب مايلي:
  • إنتقلت أغلب المصانع من الغرب الى الشرق في الصين و فيتنام و اندونيسيا و اوروبا الشرقية وغيرهم،
  • إنتقل مئات الملايين في الصين و الهند من مجتمع الأرياف الى مجتمع المدن، حيث يعملون لدى الشركات العالمية و يحققون أجورا تكفي لحياة بسيطة و لكنها أفضل من حالة الفقر السابقة، و كما يذكر روبرت رايخ[8] (لا فضل في ايجاد فرص عمل بأجور رخيصة، فالعبودية أيضا عمل دائم بأجر زهيد).
  • حققت الشركات أرباحا خيالية بينما إرتفعت ديون الحكومات، و ديون الأسر، نتيجة خفض الضرائب على الشركات او تجنبها في الملاذات الضريبية (الشركات تؤسس شركاتها القابضة في بلدان لاتفرض ضرائب فتنقل لها الأرباح من فروعها في أنحاء العالم ثم تعيد استثمارها في بلدان آخرى، و بذلك تستطيع هذه الشركات التهرب من الضرائب المفروضة في بلدانها الأم)،
  • استفادت الطبقة الغنية في البلدان الرأسمالية صاحبة القرار و التي تتحكم في مفاصل مؤسسات المال و الأعمال فمنها يتعين وزراء الخزانة و محافظوا البنوك المركزية و مسؤولوا الضرائب و هكذا. و في بعض البلدان كالولايات المتحدة تقوم هذه الطبقة بدعم مرشحي مجلس النواب و الرئاسة و غيرهم، كما و يحق لهم دعم اللوبيات ففي واشنطون د.س. يوجد اكثر من 1200 لوبي مسجل رسميا عدا غير المسجلين،
  • عانت الطبقة العاملة في امريكا و أوروبا ضغوطا شديدة نتيجة قوة الشركات التفاوضية و التي أسّست شركاتها في أنحاء العالم و فرضت شروطها على اليد العاملة و التي لم تجد بداً من الإستسلام للأمر الواقع. فنتج عن ذلك تسريح الكثير من العمالة او ضعف دخلها النسبي مقارنة بالماضي. و لذلك فان واحد من كل ستة امريكيين هو تحت مستوى الفقر[9]. وقد تأسست حملة للمطالبة برفع الحد الأدنى للأجور الى 15 دولار للساعة (Fight for $15)، حيث أن 42% من اليد العاملة في الولايات المتحدة تستلم اقل من هذا الأجر. وقد ذكرت صحيفة الفايننشال تايمز[10] ان بنك ج. ب. مورقان وعد برفع أجور 18000 من موظفيه بمعدل 20% بحلول عام 2019م.  و كتب رئيس بنك ج. ب. مورقان السيد جيمي ديمون[11] أن الحد الأدنى للأجور حاليا هو 10,15 دولار للساعة مع بعض المنافع الأخرى و هو ثلاثة دولارات أعلى من الحد الأدنى للأجور على مستوى الولايات المتحدة، و أن البنك سيرفع على مدى الثلاث سنوات المقبلة أجور ثمانية عشر الف موظف الى مابين 12 و 16,5 دولار للساعة حسب موقع عملهم. ثم أضاف ان حوالي خمسة ملايين عامل إمّا لايعملون او يرزحون في أعمال ذات أجور متدنية و لايملكون الخبرة و القدرة للإنتقال الى أعمال آخرى.  و من السخرية أن جيمي ديمون نفسه كان قد حصل خلال عام واحد فقط على أجر سنوي و حوافز تشجيعية بلغت في مجوعها 27,6 مليون دولار في عام 2015م[12] ، إن هذا الفارق الكبير بين أجور رؤساء البنوك و الشركات و بين أجور الطبقة العاملة يدعو للكثير من التفكير،
  • برزت عدة أنشطة مضادة للعولمة مثل Occupy Wall Street ،
  • صوَّت الإنجليز لصالح خروج بريطانيا من السوق الأوربية،
  • انتخب الأمريكيون الرئيس ترامب بسياسته الحمائية و دعوته لإرجاع الصناعة من الخارج الى امريكا، و قد أصدر ترامب أخيرا عدة ضرائب على المستوردات من الفولاذ و الألمونيوم و غيرهم وانسحب من بعض الأسواق الدولية،
  • تكدّست الثروات لدى القلة القليلة من أثرياء العالم ، فمثلا في الولايات المتحدة يملك 1% من مجموع المواطنين أكثر من ثلث الثروة الوطنية و قد حصلوا على اكثر من 65% من زيادة الدخل القومي بين أعوام 2002 و [13]2007 و ارتفعت نسبة الفقر في الولايات المتحدة كما يلي:

في عام 2000 م كانت 11,3 % ثم اصبحت 12,5 % في عام 2007 ثم  بلغت 15% في عام  [14]2014، و للمزيد يمكن مراجعة  (An Economy of the 1%) في موقع[15]Oxfam.org .

فشل العولمة الإقتصادية في المكسيك؟

 المكسيك جمهورية دستورية يحدها من الشمال الولايات المتحدة وتفوق مساحتها تقريبًا المليوني كيلومتر مربع و يقدر عدد سكانها بأكثر من 112 مليون نسمة. احتلت إسبانيا المكسيك في عام 1521، حتى تم الاعتراف باستقلالها في عام 1821. تميزت فترة ما بعد الإستقلال بعدم الإستقرار الإقتصادي والحرب المكسيكية الأمريكية والتنازل عن الأراضي لصالح الولايات المتحدة والحرب الأهلية حتى حصول الثورة المكسيكية في عام 1910 و صدور دستور 1917. و هي دولة غنية بالبترول والمصادر الطبيعية.

نظرا لموقعها الجغرافي المتميز و تاريخها حيث تنازلت عن عدة ولايات تم الحاقها بالولايات المتحدة، اهتمت الولايات المتحدة و معها صندوق النقد الدولي و البنك الدولي بالمكسيك في محاولة لإصلاح الوضع الأقتصادي عسى ان تكبح جماح الهجرة غير الشرعية من المكسيك شمالا نحو اراضيها، فعلى مدى سنوات طويلة نفّذ عدة رؤساء مقترحات الحكومة الأمريكية و صندوق النقد الدولي و البنك الدولي حيث ختم تخصيص الكثير من المؤسسات الحكومية، و ألغوا العوائق امام المستثمرين الأجانب و ألغوا الضرائب الجمركية و فتحوا أبوب المكسيك امام حركة الأموال، و عقدت اتفاقية التجارة الحرة (نافتا) مع كندا و الولايات المتحدة. و قد تم مكافأة المكسيك بقبولها عضوا في منظمة التنمية و التعاون الإقتصادي في عام 1994م.  و في البداية بدت الأمور ايجابية فقد نمت الصادرات و ارتفعت قيمة الإستثمارات و بدأت بعض الشركات بفتح بعض المصانع مع شركاء محليين.  و في غضون سنوات محدودة إنكشف المستور فالواقع أن الشركاء المحليين للشركات الأجنبية كانوا عددا محدودا من الأثرياء و سرعان ما تم إغراق السوق المكسيكية بالمصانع و المنتجات الأمريكية فتوقفت صناعة النسيج و نصف المصانع الأخرى و تم إحلال الماكينات في الزراعة فتم تسريح ملايين الفلاحين و الذين نزحوا الى المدن المكتظة بالسكان أصلا. 

و نتيجة لذلك، إرتفع الإستيراد و تناقصت الصادرات فارتفع العجز التجاري مما إضطر المكسيك للحصول على ديون خارجية مما أدّى الى إنخفاض صرف العملة المحلية. و هكذا تحول مليون شخص من الطبقة المتوسطة و أصحاب المؤسسات الصغيرة و المتوسطة الى الطبقة الفقيرة حيث لجأوا للعمل في الشركات و المصانع الأخرى.  و هكذا يتبين ان السوق الحر لايحقق الرفاهية الإقتصادية بل يؤدي الى عواقب وخيمة تتكرر في عدة بلدان عالمية بأشكال مختلفة و تظل توجيهات صندوق النقد الدولي و البنك الدولي ثابتة لاتتغير و هي رفع الدعم و فتح الأسواق و تخصيص القطاعات الحكومية.  و الآن تنوي الولايات المتحد الأمريكية بناء جدار عازل يفصل المكسيك جغرافيا عن الولايات المتحدة الأمريكية بتكلفة خمسة و عشرين بليون دولار.  و السؤال هو لماذا لم تنجح التجربة المكسيكية و كيف فشلت نظرية العولمة هناك؟[16].

فشل العولمة الإقتصادية في العالم؟

سمحت العولمة بالمنافسة عالميا، و لكنها عجزت عن معالجة الكثير من المآخذ التي تسبب رفع الأسعار و حرمان الكثير من الرفاهية المزعومة، فمثلا:

  • بقيت أجزاء شاسعة من المعمورة و بلايين البشر تحت خط الفقر خاصة في البلدان النامية في افريقيا و آسيا و امريكا اللاتينية،
  • ينطلق العالم بسرعة الى مجتمع الذكاء الإصطناعي و مجتمع الروبوت و الشراء و البيع الألكتروني مهددا الملايين من العمالة و التي قد تفقد وظائفها في السنوات القادمة،
  • الإستحواذ و الإندماج يقلل المنافسة و يرفع الأسعار. فقد ذكر السيد جون كواكا John Kwoka من Northeastern University بعد دراسة عشرات الإندماجات ان بين 75 الى 80% منها أدت الى ارتفاع ملحوظ في اسعار المنتجات[17].  و قد أوردت الفايننشال تايمز[18] ان إحدى الشركات الأمريكية رفعت سعر فيتامين نياكور بمعدل 800% من 32,46 دولار لمائة حبة الى 295 دولار حيث اشترت شركة Avondale الأمريكية حقوق هذا الفيتامين من شركة Upsher Smith المملوكة لإحدى الشركات اليابانية[19].
  • الإحتكار يرفع الأسعار و يحرم البشرية من حسنات المنافسة الشريفة. و كمثال على ذك شركة ستاندرد و مايكرو سوفت و غيرهما. و الحقيقة أن الشركات تسعى جاهدة لتكون هي الأولى او الثانية على مستوى الصناعة لضمان أرباح مجزية و ليتم تقليل التكلفة الثابتة كالإدارة و المحاسبة اذا زادت كمية الإنتاج. فمثلا شركة أبل الأمريكية بمصانعها المنتشرة في العالم، تحقق ارباحا اجمالية تعادل 38% من عوائدها، أما صافي الأرباح فيبلغ اكثر من 25% من مجموع عوائدها المالية. ففي عام 2017، بلغت عوائد شركة أبل 229,2 بليون دولار، و بلغ صافي دخلها 48,4 بليون دولار.و حيث أن لديها شبه الصدارة في الأسواق العالمية، فإنها تحدد سعر البيع دون أن يتمكن السوق من كبح جماحها.  و بالمثل، يحصل ستار بكس على عائد مالي على استثماراته يبلغ 50% سنويا، و هو الآن يحاول ان يبتلع كل المقاهي الآخرى في الولايات المتحدة[20].
  • نظام حماية الملكية الفكرية (براءة الإختراع) خاصة في مجال الأدوية رفع أسعار الأدوية الى مستوى جنوني حرم فيه الكثير من المرضى في البلدان الفقيرة،
  • استغلت الشركات العالمية الملاذات الضريبية للتهرب من الضرائب، مما سبب عجزا كبيرا في ميزان المدفوعات الحكومية فدفعها لإلغاء الكثير من المشاريع المفترض إنشاؤها لخدمة المواطنين. و كمثال على ذلك، راكمت شركة  أبل ارباحا في ملاذات ضريبية تقدر ب252,3  بليون دولار.
  • الشركات العالمية هي شركات وطنية تعمل على مستوى العالم، لذا فإنها تخدم مصالح و اهداف بلدانها الإستراتيجية. و لعل هذا واضحا في قطاع النفط و غيره من الصناعات الإستراتيجية.  و لاشك أن سيطرة هذه الشركات على القطاعات المختلفة في دول أخرى يسلب هذه الدول سيادتها و يهدد استقلالها مما يجعلها رهينة الضغوط الخارجية من هذه الشركات الكبرى و مستثمريها.  و لذا فإن رفاهية مواطني البلدان الآخرى غير الأم للشركات مهددة و هي تحت رحمة هذه الشركات.

فلسفة العولمة الثقافية:

استخدم العالم الغربي وسائل مختلفة للتأثير على ثقافات الأمم، فبينما حاولت فرنسا الإستعمارية فرض لغتها على مستعمراتها في شمال افريقيا، تبنت بريطانيا طرقا أكثر دهاء و ذلك بفرض معاهدات طويلة الأمد تضمن مصالحها المادية و استخدمت شركاتها مثل شركة الهند الشرقية لإحتلال الهند و غيرها و للتأثير على الناس بتغيير اللباس و المظهر.  و لعل ظهور غاندي بلباسه الوطني الهندي كان رداً مناسباً آنذاك.  ثم تبنت بريطانيا دراسة الأديان و المذاهب لزرع الفرقة بينها ولإثبات فشل الأفكار المحلية و الحاجة الى الأجنبي.  و في أحيان آخرى تبنت تهريب المخدرات الى الصين حتى إستسلمت الصين و فتحت أسواقها و موانئها للبريطانيين.  و في العموم، انطلقت العولمة الثقافية في الدول النامية تحت دافعين داخلي و خارجي، و سنتطرق لكل منهما بالتفصيل:

الدافع الداخلي:

إعتمد الغرب المتطور على إبهار الآخرين بالتكنولوجيا و الحضارة الغربية، ثم فرض الثقافة الغربية عليهم بالترغيب تارة و بالترهيب آخرى. و قد إستجاب البعض من دعاة التنمية فتوهّم ان الثقافة المحلية و الإرث الديني و الثقافي حجر عثرة امام التنمية، لذا يجب التخلص منه. و إنطلقت في بعض البلدان حملات التغريب و السفور و تحرير المرأة من الحجاب و تغيير اللغة الى اللاتينية و غيرها.  و الملاحظ ان هذه الدعوات لاقت استجابة سريعة في البداية من بعض الأوساط و لكنها و بعد عشرات السنين تيقّنت ان التراث يشمل الكثير من القيم الحضارية و الدينية و التي تضمن حرارة الدفع نحو التنمية و التطور و أن مايجب تمحيصه او التخلص منه هو القليل من العادات و الأنماط الإجتماعية المتوارثة.  فنتجت ردة فعل عكسية نتيجة الإحباط الذي أصاب هذه المجتمعات فقد تبنت الحياة الغربية بكل حذافيرها و لكنها عادت القهقرى في تنميتها. و أخيرا إختطّت هذه المجتمعات مسيراً معتدلاً يمحص الثقافة الغربية و يأخذ  منها ما يفيد التنمية و لايتعارض مع التراث و القيم الدينية فحقّقت بمسيرتها الجديدة تقدماً ملحوظاً.  و يبدو أن التطور و الإنبهار بالحضارة الغربية إتخذ في هذه المجتمعات منحنى يشبه المنحنى المعروف عالميا عند بروز أي تكنولوجيا جديدة.  ففي البداية تتولد ضجة و أمل غير واقعي حيث يتصور البعض أن هذه التكنولوجيا الجديدة هي المفتاح السحري للكثير من المشاكل و لكنه و بعد مدة يصاب بخيبة أمل نتيجة فشل تطبيقها في بعض الأمور، و بعد فترة محاولات و تقبل يصل الى نتيجة عملية و مقبولة لهذه التكنولوجيا في تطبيقاتها المتناسبة معها.

 

الدافع الخارجي:

نادى مؤيدو العولمة و السوق الحر و المستثمرون الأجانب بإعطاء الشركات كامل الصلاحيات في تسويق منتجاتها بالدعاية ووسائل التسويق الآخرى،  فالمهم هو تحقيق أعلى نسبة من الأرباح و العوائد المالية التي تضمن تدفق الإستثمار و النمو الإقتصادي. فتحقيق النمو الإقتصادي هو الهدف الرئيسي و لايتحقق هذا إلا بتحقيق أعلى أرباح ممكنة للشركات المستثمرة و هذا لايتحقق إلا بتسويق أكبر قدر ممكن من المنتجات مما يتطلب تسويقا و دعاية فعالة ومناسبة.  و من الطبيعي أن تستفيد الشركات الغربية من خبرتها التسويقية و الدعائية و التي راكمتها عبر عشرات السنين، حيث تسوق وجبات الطعام السريعة، و تنتشر المقاهي في كل مكان و تفتح المجمعات التسويقية المغلقة و تصمم أحدث الأزياء و الملابس و الماركات المشهورة و تصدح آخر الصرعات الموسيقية و الحفلات الراقية و ما يتناسب معها من الماركات الثمينة وهكذا.  و يتم استخدام الأفلام و المشاهير و اللاعبين و الفنانين لتغيير الذوق الإجتماعي و النمط الحياتي. و لكي تنجح الدعاية والتسويق في الأسواق الجديدة لابد من هندسة أنماط الحياة و الحاجات الإستهلاكية لكي تضاهي أنماط الحياة الغربية.  و قد وفّرت وسائل التواصل الإجتماعي أفضل طريقة ممكنة فهناك سيل متواصل من اليويتوب والأنستجرام و الأفلام و الدعايات التي يتم تبادلها يوميا. و هناك وسائل الشراء و البيع و التوصيل المجاني و التي يمكن إجراؤها في لمح البصر.  و الهدف أن تصبح الحياة الغربية الإستهلاكية هي المثل الأعلى الذي يجب تبنيه على كافة المستويات . 

يتحدث نيل فيرغسون[1] عن دور الإستهلاك في الحضارة الغربية.  فيتحدث عن صناعة الأقمشة و كيف استطاعت الأسواق بدعايتها هندسة الذوق لمواكبة الصناعة الغربية، و كيف بدأت الصناعة البريطانية و استفادت من القطن المستورد لصناعة الملابس و التي يعاد تصديرها الى الأسواق العالمية. ثم يتحدث عن صناعة الأفلام في الهوليود بإسهاب، حيث لعبت دورا كبيرا في ترويج الأفكار و العادات و الدعايات.  ثم ينتقل للحديث عن صرعة الجينز و كيف بدأت ثم راجت،  ففي عام 1944، نشرت مجلة لايف صورة فتاتين جامعيتين و قد لبستا بناطيل الجينز، مما أوجد صدمة كبيرة.  و لك أن تتصور كيف افلتت الدعاية من عقالها بعد ذلك بسنوات حتى أصبح من المألوف للمجتمع الغربي رؤية الملابس الداخلية في صور دعائية.  ثم يتحدث عن الكوكا كولا،  و لو كتب كتابه في الوقت الحاضر لتحدّث عن الأبل و الأمازون و قوقل.  هكذا يتبين أن العولمة التجارية والإقتصادية في دولة الرفاهية العالمية رافقتها العولمة الثقافية بقاعدتها المادية الإستهلاكية بأوسع معانيها، إذ أن كل مايعيق تبني الثقافة الإستهلاكية يعتبر عائقا للعولمة الإقتصادية.  و تمثل هذه المرحلة قمة الوعود الرأسمالية.[2]

هل الثقافة المادية الغربية مصير حتمي؟ 

نعيش الآن عصر العولمة الثقافية و القيمية فالمصالح الفردية المادية السريعة غدت في بعض المجتمعات ميزاناً لصناعة القرار على مستوى الفرد والمجتمع، و أصبحت اللذة السريعة و المتعة الحسية رائجةً بسبب الأفلام و وسائل التأثير.  و يبدو نزوع الشباب نحو المظاهر الغربية واضحاً للعيان.  وضعفت أواصر الترابط الإجتماعي تبعا لإنشغال الناس و بعدهم الجغرافي فضعفت الرقابة الإجتماعية مما أوجد فراغا كبيرا.  أما على مستوى الأسرة فأنشغل الأب و ربما الأم في عمل مستمر محاولين توفير المال الكافي لتلبية المطالب و المصروفات اللامتناهية،  و هكذا ضعفت الرقابة الأسرية.  و في ظل ضعف الرقابتين الأسرية و الإجتماعية، أصبح المجال مفتوحاً لصياغة الأنماط الإجتماعية للجيل الجديد بواسطة التلفزيون و وسائل التواصل الإجتماعي والتي تنشط فيها الماكينة الغربية الأشد تأثيرا. اما في بعض المجتمعات الآخرى فلايزال الشعور بالثقافة الوطنية و التراث الحضاري مصدر اعتزاز و فخر رغم هجمة العولمة المتسارعة.

و لكن الملاحظ أن الرفاهية المادية في الغرب لم تحقق السعادة النفسية، بل خلقت الدعاية التسويقية المتواصلة ولعاً شديداً بإقتناء المزيد من المنتجات و صرف المزيد من الأموال و التي أصبحت ككرة الثلج دون أن توجد حالة الرضا و السعادة المرجوة.  فبينما وفّرت الرفاهية المادية أحياناً حاجات الفرد من مأكل و ملبس و مسكن فإنها لم توفر في كثير من الأحيان حاجات الإنسان النفسية من ثقة بالنفس و شعور بالإنتماء الإجتماعي و خدمة الآخرين. لقد قضت الفردية و الأنانية المادية على الحياة الإجتماعية و أوجدت فجوة بين الأغنياء و الفقراء.

لذا فقد برزت أخيراً مجموعة كبيرة من المثقفين الغربيين تنادي بعدالة توزيع الثروة و محاربة البون الشاسع الموجود حالياً بين الأغنياء و الفقراء، و تنادي أيضا بوقف موجة الإستهلاك المادي و التي تؤدي الى نضوب الموارد الطبيعية بسرعةٍ فائقةٍ و تلويث الطبيعة في خدمة فئةٍ قليلةٍ من الناس.

و من الواضح أن الثقافة الغربية استفادت من وسائل البث و الدعاية في تغيير بعض الأنماط الإجتماعية و بشكل متسارع أخيراً مستفيدةً من وسائل التواصل الإجتماعي. إلا أنها لم تستطع تغيير المجتمعات بحذافيرها، بل بقيت القيم الحضارية مترسخة في الوعي و اللاوعي الإجتماعي، لذا سرعان ماعادت بعض المجتمعات الى تاريخها و تراثها القيمي حتى في الدول التي تعرضت الى موجات التغريب العاتية.

نحن و العولمة:

لقد تبين فيما سبق أن العولمة ليست قدرا محتوما، فقد إ‘ستفاد منها البعض لمصلحته ثم عاد ليقاومها حين لم تحقق أهدافه المتوخاة منها.  و رغم أن البعض يرى أن العولمة ضرورة قصوى لدفع مسيرة التنمية، فإننا لانرى ذلك بتاتا.  فقد بيّنا فيما سبق أن سياسة السوق الحر التي تدعمها منظمة التجارة العالمية و صندوق النقد الدولي و البنك الدولي صبّت في صالح الشركات الكبرى و الدول الغنية المتطورة و قد فشل تطبيقها و لم تحقق الرفاهية المزعومة في البلدان الفقيرة، في حين نجحت التنمية و الإقتصاد الموجه حكومياً في دول آخرى مثل النمور الآسيوية و الصين. إن تبني العولمة و فتح الأبواب للشركات الأجنبية في بعض البلدان أدّى خلال العشر سنوات الماضية الى القضاء على الكثير من الشركات الوطنية المتوسطة و الصغيرة ، و التي تحول مالكوها بكل أسفٍ الى طبقةٍ عاملةٍ في الشركات الكبرى.  و لاشك أن فتح الأبواب أكثر للشركات الكبرى سيؤدي الى إغراق السوق و إفلاس ماتبقى من الشركات الوطنية مما يمثل نكسةً أليمةً للتنمية في هذه الدول.  و لايشك أحد أن سياسة فتح الأسواق تمثل ضرراً بالغاً على مستقبل الصناعة الوطنية، و لعل أوضح دليل على ذلك هو أنه لو تم تبني سياسة السوق الحر قبل خمسين عاما، لما تأسّست شركات النفط الوطنية وشركات البتروكيماويات الوطنية التي تمثل رافعة التنمية في بعض البلدان حاليا.

و لمعالجة سلبيات العولمة و السوق الحر، أطرح هنا بعض الأفكار التي أتمنى أن تجد طريقها الى أصحاب الإختصاص و المهتمين:

إستراتيجية التنمية:

  • يوجد الكثير من الإقتصاديين و الأكاديميين في الجامعات و الشركات الوطنية و التي يمكن الإستفادة من خبراتهم لوضع أطرٍ واضحةٍ للتعامل مع العولمة،
  • إستشارة رواد التنمية في البلدان الآسيوية و التي نجحت في تطوير بلدانها خلال القرن المنصرم و ذلك بتبني تنميةٍ مزدوجةٍ من السوق و الدعم الحكومي.

الشركات و الصناعة الوطنية:

 دعم الصناعات الإستراتيجية و الشركات الوطنية ضرورةٌ قصوى نظراً لمردودها المالي و الإستراتيجي و تشغيلها لعشرات الألوف من المواطنين. و هي تمثل فخراً و طنياً يعتز بها الجميع، و أبسط مثالٍ على ذلك شعور الفرد بالفخر و الإعتزاز حين يستشهد الآخرون بإنجازات شركةٍ وطنيةٍ في محفل عالمي،

  • البحث عن مصادر التفوق النسبي في الصناعات المختلفة و البناء عليها و تطويرها، فمثلا في قطاع الصناعات النفطية و البتروكيماوية، يفترض أن تأخذ الدول النفطية المنتجة الريادة على مستوى العالم خاصة مع وجود الطاقات البشرية المؤهلة والخبرات المتراكمة طيلة عشرات السنين الماضية. و لذلك يجب على شركات النفط الوطنية أن تنطلق عالمياً للبحث عن فرصٍ استثماريةٍ و تطويرية. كما و يجب دعم الشركات الصناعية الوطنية لتغطية الطلب المحلي و لتصدير الفائض.
  • تأهيل الشركات الوطنية و رفع مستواها التنافسي و دمج بعضها مع البعض الآخر، و تعيين اصحاب الكفاءات و الإبتعاد عن المحاباة و المحسوبية، و وضع أهدافٍ طموحةٍ و محاسبة و مكافأة المسؤولين فيها على آدائهم السنوي.

الشركات الأجنبية:

  •  تبني إستراتيجية تشبه الإستراتيجية الصينية في جذب الشركات الأجنبية، و ذلك بتوجيه الإستثمار الخارجي الى صناعات تستوعب عمالةً كثيرة و تنقل التكنولوجيا الى هذه الدول، و يجب التفاوض بذكاء لأن المستثمر الأجنبي يسعى للإستثمار في قطاعاتٍ قليلة العمالة و كثيرة الأرباح و العوائد. إن بعض الدول جاذبة للإستثمار نظرا لوفرة مصادر الطاقة و المواد الخام و الأسواق المفتوحة و لكن يجب ان يتم بناء شركات وطنية تشارك المستثمر الأجنبي و تستوعب التكنولوجيا و تؤسس للإعتماد على السواعد الوطنية مستقبلاً،

لا لتخصيص الخدمات الإجتماعية، نعم لتأهيلها:

  • يمثل القطاع العام العمود الفقري للتنمية و يشمل الخدمات الإجتماعية كالصحة و التعليم. و قد يتبادر لدى البعض ضعف كفاءة القطاع العام و الحاجة الى تخصيصه.  و لاشك أن القطاع العام يحتاج الى ترشيد و تأهيل صارمين ليمكنه من منافسة الشركات الخاصة، و لكن المشكلة أن التخصيص و تحويل القطاع العام الى شركات خاصة سيؤدي الى رفع التكلفة على مواطني هذه الدول و هذا طريقٌ محفوفٌ بالمخاطر و خاصةً أن دولاً غنيةً كبريطانيا و غيرها في اوروبا لم تخصص هذا القطاع، أما في الولايات المتحدة فقد أدّى تخصيصه الى رفع التكلفة الى مستوياتٍ باهضة.

 الإستثمارات الخارجية:

  • الإستثمار المالي في الأسواق و الصناعات و الشركات العالمية خارج الدول الوطنية قد لايحقق الأهداف المرجوة، لأنه سيكون عرضةً لسوء إدارة الشركات العالمية و لن يوفر فرصاً وظيفية لأبناء هذه الدول، و لن ينقل لها تكنولوجيا مصاحبة. اما الشركات الوطنية فيجب تشجيعها و دعمها للإستثمار عالميا في نطاق خبراتها.

التعليم و الأبحاث و التكنولوجيا:

  • الإستثمار بسخاء في التعليم و الأبحاث و التطوير و التكنولوجيا لمخرجات عالمية تستطيع المنافسة في المؤتمرات العالمية و لتصبح كفاءات يشهد لها على مستوى العالم.

الفكر و الثقافة:

  • توفّر العولمة الثقافية فرصةً حضاريةً لعرض الأفكار و مناقشتها على مستوى العالم بحثاً عن الحقيقة. و حيث أن الغرب صنع هذه الفرصة فإنه إستعّد لها بوسائل البهرجة الجذابة و أصناف فنون الإتصال و سخّر مليارات الدولارات لإنتاج مادةٍ ترفيهيةٍ تتضمن مادةً ثقافيةً تتناسب و طبيعته الفكرية.  و تجد هذه البرامج سبيلها الى المجتمعات العالمية بكل يسرٍ و سهولة. لذا يجب على البلدان الآخرى رفع مستوى و أسلوب خطابها الثقافي و الفكري و الإعلامي لمواكبة التغيرات العصرية. إن نقل الصوت و الصورة عالمياً وفّر فرصةً رائعةً لمواكبة و مناقشة الأفكار و الثقافة العالمية، و لكنه في نفس الوقت يتطلب استعداداً فنياً و مالياً ونفسياً و اجتماعياً،
  • انتاج و اخراج منتجاتٍ ثقافيةٍ و فكريةٍ لتكون بديلاً عن المستورد الخارجي من الهوليود و الأفلام التي تصدرها الثقافة الإستهلاكية الغربية،
  • الحفاظ على القيم الأخلاقية و الأعراف الإجتماعية و التي تحقق السعادة النفسية و الترابط الإجتماعي، و لا يكون هذا إلا بتوفير بديلٍ حضاري للمنتج الغربي في مجال الترفيه و الثقافة،
  • مقاومة مغريات الإستهلاك و البرامج الدعائية و توعية المواطنين و إرشادهم الى عدم الإنسياق وراء حمّى الماركات التجارية.

أخيرا، إن العولمة الإقتصادية ليست قدرا محتوما فقد بدأت في التراجع في عقر دارها، أما العولمة الثقافية فهي في أوجها لذا يجب الإستعداد لها و الإستفادة من وسائلها. 

أرجو أن تكون هذه المقالة مادة للنقاش و الحوار  في المجتمعات النامية حتى تسلك طريق التنمية و التطور دون خسارة منتجاتها و قيمها الحضارية، و الحمد لله رب العالمين.

الهوامش:

[1]  Chang, Ha-Joon, 23 Things They Don’t Tell You about Capitalism, page 37)

[2]   Piketty, Thomas, Capital, page 108.

[3]( Chang, Ha-Joon, 23 Things They Don’t Tell You about Capitalism, page 125

[4] أرنست قولف، صندوق النقد الدولي ، ترجمة: د. عدنان عباس علي، عالم المعرفة 435، 2016م

[5] Robert Gordon, The Rise and Fall of American Growth

[6] Joseph E. Stiglitz, The Price of Inequality, page 337

[7] Chang Ha- Joon, 23 Things They Don’t Tell You about Capitalism, page  237

[8] Reich Robert B., Saving  Capitalism, page 136

[9] Stiglitz, Joseph E., Price if Inequality, Page 21

[10] Financial Times, 13/July, 2016

[11] International New York Times, 13/ July/ 2016

[12] Financial Times, 13/ July/ 2016

[13] Stiglitz, Joseph E., Price of Inequality, page 2-3

[14] Reich, RobertB. Saving Capitalism, page 138

[15] Oxfam.org

[16] هارنس-بيتر مارتين، هارالد شومان، فخ العولمة صفحة 235 ، ترجمة: د. عدنان عباس علي، مراجعة و تقديم: أ.د. رمزي زكي، عالم المعرفة 238، 1998م

[17] International New York Times, 13/July/ 2016

[18] Financial Times, 10/December/2017

[19] https://www.macrumors.com/2017/11/02/earnings-4q-2017/

[20] https://www.mckinsey.com/business-functions/strategy-and-corporate-finance/our-insights/strategy-to-beat-the-odds

[21]  Ferguson, Niall, Civilization, page 196-255

[22] تيم كاسير، الثمن الباهض للمادية، ترجمة: طارق عسيلي، المركز الأسلامي للدراسات الأستراتيجية، الطبعة الأولى 2017م

المراجع:

Chang, Ha-Joon. 23 Things They Don’t Tell You about Capitalism, , page 37 . n.d.

Ferguson, Niall,. Civilization. n.d.

Financial Times, 10/December/2017. (n.d.).

Gordon, Rober. The Rise and Fall of American Growth. n.d.

https://www.macrumors.com/2017/11/02/earnings-4q-2017/. n.d.

https://www.mckinsey.com/business-functions/strategy-and-corporate-finance/our-insights/strategy-to-beat-the-odds. n.d.

International New York Times, 13/July/ 2016. (n.d.).

Joseph E. Stiglitz. The Price of Inequality. n.d.

Oxfam.org. n.d.

Piketty, Thomas. Capital, page 108. n.d.

Reich, Robert B. Saving Capitalism. n.d.

أرنست قولف. صندوق النقد الدولي ، ترجمة: د. عدنان عباس علي، عالم المعرفة 435، 2016م. بلا تاريخ.

تيم كاسير. الثمن الباهض للمادية، ترجمة: طارق عسيلي، المركز الأسلامي للدراسات الأستراتيجية، الطبعة الأولى 2017م. بلا تاريخ.

هارنس-بيتر مارتين، هارالد شومان. فخ العولمة صفحة 235 ، ترجمة: د. عدنان عباس علي، مراجعة و تقديم: أ.د. رمزي زكي، عالم المعرفة 238، 1998م. بلا تاريخ.

 

 

تعليق واحد

  1. رغم ان الكلام في الاقتصاد جاف و غير محبب بالنسبة لي لاستخدامه لغة عسرة الهضم ،،، الا ان هذا المقال الاكثر من رائع امتعني كثيرا و أعطاني صورة بانورامية عن اقتصاديات الدول العظمى و العوملة بفهومها الشامل ،، الاجمل ان في الغالب المقالات المطولة و المعتمده على بيانات كثيرة تشعرك و ان الكاتب تحول إلى مترجم فقط ، لكن هذا المقال على العكس من ذلك ، فقد أورد توصيات اقتصادية و أعطى لمعاناة الشعوب وزن يشعرك بالبعد الإنساني لدى الكاتب

    الف شكر لك دكتور ،،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *