فلسفة العقل في ملامسة الواقع – ترجمة عدنان أحمد الحاجي

عندما نُواجه  بمعلومات غامضة نحن على ما يبدو نثق بأطراف أصابعنا أكثر من أعيننا. يقوم فلاسفة من جامعة  لودويغ ماكسيمليان في ميونيخ Ludwig Maximilian University of Munich  والمعروفة اختصارً ب LMU بالتحقيق في المكانة الخاصة للمس.

في كل عام ، تتحمل المتاحف تكلفة إصلاح الأضرار التي لحقت بأعمالها الفنية من قبل الزوار الذين لمسوها. لماذا يريد الناس لمس الأشياء التي يتمكنون من رؤيتها بوضوح؟ ما هو الشيء الذي يوفره اللمس ولا تستطيع أن توفره الرؤية؟

الفلاسفة ، بدءاً من رينيه ديكارت ، أشاروا جميعًا إلى أن اللمس يوفر “إحساسًا بالواقع” ، ويجعلنا نشعر بأننا على اتصال بالعالم الخارجي. وعلى النقيض من ذلك ، يميل علماء النفس إلى افتراض أن اللمس ليس له تفوق جوهري على الحواس الأخرى.

إن ميلنا إلى “التحقق من الواقع” عن طريق اللمس أمر شائع ، لكنه يبقى غير مفسر: من الرواية الإنجيبلية لتوما (Thomas) الرسول الشكاك ، نرى الآن “تأثير توما” في الهواتف المحمولة وغيرها من التقنيات الجديدة ، حيث لا يزال الناس يفضلون ببساطة الضغط على الأزرار من  اختيار  الأشياء من  على الشاشة ، وفي متاجر التجزئة حيث تسمح المتاجر للناس بلمس المنتجات. في الدراسات الإكلينيكية ، يميل مرضى الوسواس القهري إلى فحص الصنابير أو الأقفال عن طريق اللمس ، على الرغم من أنهم يتمكنون من  رؤيتها  مغلقة.

الآن ، قامت مجموعة من الباحثين متعددي التخصصات من جامعة LMU وكلية  الدراسات المتقدمة (SAS) ، وجامعة لندن ، بنشر أول برهان علمي على أننا عندما نواجه معلومات غامضة ، فإننا نثق بأطراف أصابعنا أكثر من أعيننا. التقرير متوفر في مجلة نتشر ساينتفيك ريبورتس Nature Scientific Reports.

في الدراسة التي استخدم الباحثون  الخداع الإدراكي – وهو ” الخداع الرأسي – الأفقي”  الذي يؤثر على كيف نرى الأشكال وكيف نشعر بها على حد سواء. في هذا، عودا ثقاب على   شكل  T مقلوبة. عندما كان العودان متساويين في الطول، والعود الرأسي  يظهر ويبدو  أطول من العود الأفقي .  جرى اختبار   المشاركين  على مجموعة من الأطوال: بعض الأعواد بدت أطوالها  قريبة من بعضها، وبعضها بدى الواحد منها بوضوح أنه  أطول من الآخر. كان المشاركون  أفضل في تقدير  طول الأعواد  بالبصر من اللمس، ولم يكن   مفاجئاً   أنهم  كانوا أكثر  ثقة عندما  اعتمدوا  على البصر كذلك.   وعندما كان من الصعب تقدير الأطوال، وكان المشاركون  يخمنون بشكل فعال، فقد كانت  ثقتهم أكبر   حين لمسوا الأشياء مما رأوها.

“من خلال بياناتنا ، يبدو أنه عندما يكون السياق غامضًا ، فإن حاسة لمسنا تقوم  بشيء تتجاوز  ما  تزودنا  به من معلومات دقيقة – إنها تعطينا إحساسًا باليقين – على يقين من أمرنا” ، كما تقول عالمة الأعصاب المعرفي ، ميرل فيرهورست ، أستاذة مساعدة في فلسفة العقل وعلوم الأعصاب المعرفي في جامعة LMU.

“إن فهم المكانة  الخاصة للمس تبدو صعبة جدًا بالنسبة لعلوم الأعصاب الحديثة. اللمس بعد كل شيء ، هو كالحواس الأخرى: إنه أمر جيد أحيانًا ، وسيئ في أحيان أخرى ، وكل هذا يتوقف على السياق والمهمة. ما نعرضه هنا ليس لأنه أفضل أو أكثر دقة من الحواس الأخرى ، لكنه يجعلنا نشعر بالتحسن. هذا يدل على أن ديكارت كان على حق ، عندما قال إن اللمس  هي الحاسة الأصعب على  الشك “، كما تقول البروفيسورة أوفيليا ديروي ، رئيسة فلسفة العقل في  LMU وأحد المشاركين في الدراسة.

تشير النتائج إلى أن الأصول المحتملة لتدقيق الحقائق عن طريق اللمس ، في الحياة اليومية أو في الاضطرابات القهرية ، ليست مجرد الحاجة إلى نوع ثانٍ من “التحقق من سلامة العقل” على أرض الواقع ولكنها تأتي من النوع المعين من الإطمئنان التي يعطيها اللمس.. الرؤية   ، كما يذهب المثل ،   قد تعني التصديق ، ولكن اللمس  يعني الحقيقة ( المترجم؛ أو بمعنى آخر : رؤية الشيء قد تكون برهاناً على وجوده لكن لمسه برهان على حقيقة وجوده) .

المصدر:
Philosophy of Mind In touch with reality
München, 10/23/2018
https://www.en.uni-muenchen.de/news/newsarchiv/2018/fairhurst_touch.html

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.