الإثنين , نوفمبر 19 2018

عالمية مفهوم الشعور بالعار – ترجمة عدنان احمد الحاجي

عار  عليك (Shame on you) هذه الكلمات الثلاث البسيطة (بالإنجليزي) يمكن أن يكون لها تأثير مدمر على نفسية الشخص .
لكن لماذا؟ كيف يتولد  الشعور بالعار ، وما هو الغرض منه؟ بعض  العلماء النظريين يجادلون  بأن الشعور بالعار هو باثلوجيا ، حالة  يجب علاجها. البعض الآخر يرفضها باعتبارها عديمة الجدوى ، عاطفة بشعة.
ومع ذلك ، فإن فريق بحث من جامعة مونتريال ومركز  علوم النفس التطوري (CEP) في جامعة كالفورنيا في سانتا باربرا يشير الى  شيئ مختلف تمامًا. يجادلون بأن العار  مضمّن  في الطبيعة البشرية من خلال التطور لأنه  كان بمثابة وظيفة مهمة لأسلافنا العلافيين (الذين يبحثون عن الطعام).
ويوضح الباحثون أن أسلافنا الذين يعيشون في فرق صغيرة مترابطة بشكل كبير ، واجهوا انتكاسات متكررة تهدد حياتهم ، واعتمدوا على أعضاء الفرق الأخرى في إعطائهم بما يكفي من قيمة  خلال الأوقات العصيبة لتخليصهم من المأزق. لذا فإن التقليل من قيمتهم من قبل الآخرين –  الغير مستحقين للمساعدة – كان  يشكل حرفياً تهديدًا لبقائهم على قيد الحياة . لذلك ، عند اعتبار  كيف نتصرف ، كان من الضروري تقدير الفائدة المباشرة لأي عمل محتمل (على سبيل المثال ، كم سأستفيد من سرقة هذا الطعام؟) وضد التكاليف الإجتماعية (على سبيل المثال ، كم سيقلل الآخرون من قيمتي  لو قمت بسرقة الطعام – وما مدى احتمال اكتشافهم لذلك العمل؟).
لقد افترض الباحثون أن شدة (حدة) الشعور بالعار لدى الناس هي تنبؤ مولّد داخلياً بمقدار ما سيقلله  الآخرون من القيمة لو قاموا بعمل معين. علاوة على ذلك ، لو كانت هذه الميزة جزءًا من الطبيعة البشرية ، يجب ملاحظتها  في كل مكان – في كل ثقافة/حضارة.
لإجراء إختبار عالمية العار ، اختاروا مجموعة متنوعة من الثقافات (الحضارات) المختلفة لغوياً وعرقيا  واقتصاديا وبيئياً منتشرة في جميع أنحاء العالم. في هذه المجتمعات التقليدية الصغيرة الـ ١٥ ، وجد الباحثون أن شدة شعور الناس بالعار عندما يتخيلون تصرفات مختلفة (السرقة والبخل والكسل ، إلخ) تتنبأ بدقة بالقدر الذي ستؤدي به تلك الأفعال بالآخرين في عالمهم الإجتماعي للتقليل من قيمتهم .  نتائج الدراسة سنتشر  في مجلة الوقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم.
وظيفة المشاعر (الأحاسيس)
يقول المؤلف الرئيسي دانييل سزنايسر Sznycer، الأستاذ  المساعد في علم النفس في جامعة مونتريال: “في عالم خالٍ من مطاعم فقراء (الخدمات فيه تصرف من غير مقابل)   أو شرطة أو مستشفيات أو تأمين ، كان أسلافنا بحاجة إلى التفكير في مقدار المساعدة التي سيخسرونها في المستقبل لو اتخذوا إجراءات مختلفة لا يوافق عليها الآخرون ولكنها  مجدية من طرق أخرى”. . “إن الشعور بالعار هو إشارة داخلية تبعدنا عن الأفعال التي من شأنها أن تضر  بمدى ما يعطيه  الآخرون من قيمة لمصالحنا “.
لاحظت ليدا كوسميدس ، أستاذة علم النفس في جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا ، والمديرة المساعدة لـ CEP والمؤلفة المشاركة للورقة ، “لكي يعمل هذا بشكل جيد ، لا يمكن للناس أن يتخبطوا ، ويكتشفون بعد ما انتهى كل شيء مصدر (سبب)  التقليل من القيمة. فذلك سيكون متأخراً جداً في القيام  بالخيارات بين الأفعال البديلة ، يحتاج نظامنا التحفيزي إلى أن يقدر  ضمنياٌ  حجم الرفض مسبقاً الذي يمكن أن يؤدي إليه كل فعل بديل في أذهان الآخرين. “
وأشار الباحثون إلى أن الشخص الذي يفعل ما يريده الآخرون فقط هو الذي سيتم اختياره ، لأنه سيكون منفتحاً  تماماً على الإستغلال. ومن ناحية أخرى ، فإن الشخص  الأناني المحض يمكن تجنبه بسرعة باعتباره غير صالح للعيش معه في هذا العالم المترابط ( الذي يعتمد بعضه على بعض)  بشكل كبير – وهو طريق آخر مسدود .
“هذا يؤدي إلى تنبؤ كمي دقيق” ، قال جون توبي Tooby ، أستاذ الأنثروبولوجيا في جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا ، والمدير المساعد ل CEP والمشارك في تأليف الورقة. “لقد أظهرت الكثير من الأبحاث أن الناس يمكنهم توقع المردودات ( المكافآت)  والتكاليف الشخصية بدقة ، كالوقت أو الطعام الضائع. هنا توقعنا أن الشدة المحددة للعار التي يتوقع الشخص الشعور بها لاتخاذ إجراء من شأنه أن يتساوق مع كم سيعطيه الآخرون في عالمهم المحلي من تقييم سلبي إذا ما  اتخذوا هذا الفعل المحدد.
“النظرية التي نقيمها” ، كما قال ، “هي أن شدة العار التي تشعر به عندما تفكر في اتخاذ فعل محتمل ليست مجرد شعور ومحفز ؛ كما أنه (العار) يحمل معلومات حيوية تغريك بإتخاذ خيارات لا توازن فقط بين التكاليف الشخصية وفوائد  الفعل ، بل أيضًا التكاليف والفوائد الإجتماعية. يأخذ “العار” الرفض  المستقبلي للآخرين ، ويقولبه إلى عذاب شخصي محسوب بدقة ، يلوح في الأفق ، كلما اقترب الفعل من التدشين  أو الإكتشاف “.
خاصية  إنسانية  عالمية
وفقا للمؤلفين ،  العار – كالألم – تَطَور كدفاع [عن النفس] . “إن وظيفة الألم هي لمنعنا من إلإضرار بأنسجتنا ” ، كما قال سزاينسر Sznycer. ” وظيفة العار هي لمنعنا من الإضرار بعلاقاتنا الإجتماعية ، أو تحفيزنا لإصلاحها لو أضررنا بها”.
 وبإعتبارك جهازاً عصبياً ، فإن العار يحثك على مراعاة وجهة نظر الآخرين إلى جانب منافعك الخاصة ، لذلك يتم اختيار الفعل المرتبط بأعلى مجموع من المردود payoff، حسبما يقول الباحثون. جزء أساسي من المحاججة هو أن هذا النظام التحفيزي القائم على أساس عصبي هو جزء من بايلوجيا أنواعنا species . “إذا كان هذا صحيحًا ، فيجب أن نكون قادرين على العثور على نفس هذه العلاقة بين العار والتقليل من القيمة  في الثقافات والإيكولوجيات المتنوعة في جميع أنحاء العالم ، بما في ذلك في مجتمعات وجه لوجه والتي بعكس صداهم  الصغير عوالم اجتماعية أكثر حميمية والتي نظن انها منها تطور العار  “، كما لاحظ سزنايسر Sznycer.
لاختبار هذه الفرضية ، جمع الفريق بيانات من ١٥ مجتمعًا صغيرًا تقليديًا في أربع قارات. يتحدث الناس في هذه المجتمعات لغات مختلفة جداً (على سبيل المثال ، الشوار (Shuar) لغة اهل الإكوادور  ، الأمازيغ ، الأيس – تود – لغة أوغندية) ، ولديهم ديانات متنوعة (كالهندوسية والشامانية – مذهب الاعتقاد بالشياطين ) ، ويعيشون بطرق مختلفة (مثل الصيد البري  والصيد البحري والرعي البدوي). لو كان العار جزءًا من الطبيعة البشرية العالمية المتطورة ، يجب أن يجد البحث  العاطفة تتساوق بشكل وثيق من التقليل من القيمة من قبل الآخرين ، لكل فعل محدد ، في كل مجتمع ؛ ولكن لو كان العار أكثر شبهاً بإستخداثات حضارية  كالزراعة أو الأبجدية ،  موجود في بعض الأماكن دون غيرها ، يجب أن يجد البحث  اختلافًا كبيرًا من مكان إلى آخر في هذه العلاقة. في الواقع ، اقترح علماء الأنثروبولوجيا منذ فترة طويلة أن بعض الثقافات (الحضارات) ذات توجه  اجرامي (guilt-oriented) ، وبعضها ذات توجه  خوف (fear-oriented)، وبعضها ينتقم للعار shame-honor (تعريف من خارج النص: يسعى لموازنة الشرف وقد يؤدي الى الانتقام ) .
ومع ذلك ، وجد الباحثون  العلاقات المتوقعة في كل مكان قاموا بإجراء الإختبار عليه. “لقد لاحظنا تطابقًا وثيقًا للغاية بين التقييم السلبي للمجتمع للأشخاص الذين يظهرون كلًا من الأفعال أو السمات التي سئلوا عنها ، وشدة العار التي توقع  الأشخاص  أن يشعروا بها إذا قاموا  بتلك الأفعال أو أظهروا  تلك السمات” ، كما قال سزنايسر Sznycer. “إن الشعور  بالعار تتحرك بنفس الإيقاع مع القيم التي يحملها من حولك ، كما تنبأت النظرية”.
وأضاف أن المزيد من الدراسات أثبتت أنه  العار على وجه التحديد – على عكس المشاعر السلبية الأخرى – التي تتساوق مع  تقليل القيمة من قبل الآخرين . وقال سزايانسر : “الجرم الأخلاقي ليس ضروريًا”. “في بحث آخر ، أظهرنا أن الأفراد يشعرون بالعار عندما ينظر الآخرون إلى أفعالهم بشكل سلبي ، حتى عندما يعلمون أنهم لم يرتكبوا أي خطأ”.
من المثير للاهتمام أن العار المرتقب لم يعكس فقط رفض المواطنين من أعضاء المجتمع ، بل أيضاً رفض المشاركين الأجانب في كل مجتمع من المجتمعات الأخرى. على سبيل المثال ،  العار الذي أعرب عنه مزارعو بساتين ايكلاند في أوغندا Ikland. ليس فقط تقليل  القيمة  التي أعرب عنها زملاؤهم الايكلانديون  الأوغنديون، ولكن أيضا تقليل  القيمة التي أعرب عنها الصيادون  من جزيرة موريشيوس ، والرعاة من Khövsgöl ، في منغوليا ، وبستانيو الشوار  في  الأمازون الإكوادورية. وأكثر من ذلك ، العار يعكس  تقليل قيمة الأجانب الذين يعيشون في الجوار في الفضاء الجغرافي أو الحضاري ، فضلاً عن أنه يعكس تقليل قيمة الأجانب الذين يعيشون أبعد وأبعد ، وهو مؤشر آخر على عالمية العار.
تشير هذه النتائج إلى أن العار قدرة (قابلية) بيولوجية والتي هي جزء من الطبيعة البشرية (كالقدرة على التحدث بلغة ما) ، وليس مستحدث  حضاري  موجود فقط في بعض المجموعات  (مثل القدرة على القراءة أو الكتابة).
وخلص سزاينسر إلى أن “صيت العار ليس لطيفاً ، لكن نظرة أقرب اليه  تشير إلى أن هذه العاطفة مصممة هندسياً لردع الخيارات الضارة والخروج بأفضل النتائج من الوضع  السيئ”.
المصدر:
The Universality of Shame
By Andrea Estrada
September 10, 2018
مشاركة المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *