الإثنين , نوفمبر 19 2018

إنتروبيا الجاذبية والشروط الإبتدائية الخاصة في لحظة الإنفجار الكوني العظيم – د. جاسم العلوي

تأخذ العمليات الطبيعية إتجاها محددا يزيد من درجة الفوضى لديها أو يبقيها كما هي وهذا ما يعرف بالإنتروبي أو بالأحرى التغير في الإنتروبي. فهو (الإنتروبي) مقياس لدرجة الفوضى التي تحدثها جميع العمليات الطبيعية. وهذه الفوضى تأخذ خطا متصاعدا في العمليات الغير عكسية أي تلك التي تمنعها قوانين الطبيعة من أن تعود إلى النقطة التي إبتدأت منها. فما هو المقصود العلمي بالفوضى؟

الإنتروبي : المعنى الماكروسكوبي  

ولكي نفهم المعنى المقصود من الفوضى علميا سوف أضرب عددا من الأمثلة. لو سقط كأسا زجاجيا من على سطح منضدة على الأرض وتحطم وتناثرت أجزاءه  فيقال في مثل هذه الحالة أن الفوضى قد زادت. ويقصد بذلك أن الكأس قبل سقوطه كان في وضعية منظمة وبعد سقوطه أصبح في وضعية مبعثرة. ومثل هذه العملية غير عكسية، فلا يمكن لأجزاء الكأس المتناثرة على الأرض أن تعيد ترتيب نفسها وتتجمع وترتفع عن الأرض لتصنع الكأس على سطح المنضدة تماما قبل لحظة سقوطه فمثل هذه العملية مستحيلة.

مثال آخر لو أن لدينا قنينة مسدودة وبداخلها غاز مضغوط بضغط عالي – أكبر من الضغط الجوي الخارجي – ثم قمنا بفتح السدادة فإن الغاز سوف يسارع في الخروج خارج القنينة وسوف يستمر خروج الغاز حتى يتعادل ضغط الغاز المتبقي داخل القنينة مع الضغط الجوي الخارجي المحيط بها. وهذه العملية لا تحدث بالعكس، فجزيئات الغاز لا تجتمع بعد أن إنتشرت في الفضاء المحيط و تسارع بالدخول إلى القنينة ذلك أمر مستحيل الحدوث أو احتماله ضعيف للغاية.

وهناك الكثير من الأمثلة اليومية على هذا المسار الواحد للعمليات الفيزيائية التي تحدث في حياتنا اليومية. فعندما نرتشف فنجان القهوة الساخن فإننا نعرف أن الحرارة تتدفق من القهوة الساخنة إلى الهواء البارد لكننا لا نرى العكس. الحرارة تتدفق دائما من الوسط الحار إلى الوسط البارد ويستحيل أن يحدث العكس.  الإنسان يمر في حياته  بمرحلة الطفولة ، الشباب والشيخوخة  ولا سبيل لعكس هذه المراحل العمرية. وكلما تقدم الإنسان في العمر فخلاياه تضعف وقواه تنهار وإذا ما أدركه الموت فإن  جسمه يمر بمزيد من التدهور فيتحلل وتتناثر جزيئات جسمه في التراب.  فعمر الإنسان والضغف والموت عمليات  تأخذ مسارا واحدا.

إذن توجد عمليات في الطبيعة تتطور في مسار واحد فقط والأمثلة التي ذكرتها تؤكد هذه الحقيقة الكونية. ولكن السؤال لماذا هي – العمليات الطبيعية – تتطور في مسار واحد ولماذا هي مستحيلة الحدوث أو ضعيفة الإحتمال في الإتجاه العكسي؟  سنجيب عن هذا السؤال إذا ما نظرنا نظرة أكثر عمقا لهذه الفوضى.

الإنتروبي : المعنى الميكروسكوبي

إذا ما أردنا أن نكوِن فهما معمقا للمعنى الفيزيائي للفوضى والذي على ضوئه وضع العلماء القانون الثاني في الديناميكا الحرارية و الذي مضمونه أن درجة الفوضى في الكون في ازدياد. فما الذي يحدث لجملة الأمثلة التي عرضناها حتى يزداد مقدار الفوضى لديها؟ توصف تلك العمليات بأن لها ميل عالي جدا – احتمال كبير – لئن تنتقل من حالة منظمة إلى حالة غير منظمة ( فوضى ) و احتمال ضعيف للغاية لئن تنتقل من الفوضى الى وضع منظم. هذا الإتجاه الواحد لمثل هذه العمليات يعرف بالقانون الثاني للديناميكا الحرارية  والذي ينص على الأنظمة المغلقة لو تركت فإنها تتطور باتجاه إما يزيد الفوضى لديها في العمليات الغير عكسية التي تحدث داخل هذه الانظمة أو يبقي الفوضى ثابتة في العمليات العكسية التي تحدث بداخلها.

من الممكن أن يحدث تدخل خارجي يخرج هذه الأنظمة من حالة الفوضى ويعيد اليها حالة الإنتظام والترتيب لكن ذلك يتطلب إستهلاك مقدار من الطاقة يعادل الشغل الخارجي المبذول الذي يتطلبه إعادة النظام لمثل هذه الأنظمة. فلو استخدمنا على سبيل المثال مضخة حرارية كالثلاجة تضخ طاقة حرارية من الهواء البارد إلى فنجان القهوة الساخن. فإننا حينئذ سنعكس مسار الحرارة . إذن  من الممكن أن نعكس العمليات ذات المسار الواحد بتدخل خارجي فهل يعني ذلك أن الإنتروبي أو الفوضى قد تناقصت؟ لا بالطبع ، ذلك لو أخذنا القهوة الحارة كنظام مستقل وأضفنا اليها الطاقة المبذولة وما تحدثه هذه الطاقة في الهواء المحيط فإننا سنرى أن الفوضى الكلية تزداد ولا تقل.

أخيرا سوف أضرب مثالا فنيا يعيد تعريف الإنتروبي بصورة جديدة مرتبطة بالإحتمالات. هذا المثال إقتبسته لكن بتصرف من العالم الفيزيائي كيب ثورن والذي ورد في كتابه ” الثقوب السوداء وإنحناء الزمن ” . يقول كيب لو تصورنا غرفة العاب مربعة الشكل تحوي عشرين لعبة، وأرضية هذه الغرفة مكونة من 100 بلاطة كبيرة ، موزعة بحيث تكون عشر بلاطات في كل صف. فما هي عدد الطرق التي يمكن أن نوزع بها العشرين لعبة على عشر بلاطات في صف واحد من الغرفة؟ كل لعبة يمكن أن تتوزع على عشر بلاطات فإذا كان لدينا عشرين لعبة فإن عدد الطرق يصبح 1020 طريقة يمكن أن نوزع بها هذه الألعاب على الصف الواحد المكون من عشر بلاطات. وهذا العدد كبير وهو يعطي وصفيا حجم العشوائية – الفوضى- في توزيع الألعاب. وبما أن هذا العدد كبير فسوف نستخدم مقياس رياضي آخر يعطي أرقاما صغيرة. فإذا استخدمنا اللوغارتيمات ( الذي قاعدته عشرية ) للتعامل مع هذه الأرقام الكبيرة.  فيمكن بدل أن يكون لدينا  1020 سنحصل على رقم 20 إذا استخدمنا اللوغارتيم ذا القاعدة العشرية ونكون بذلك قد حددنا الفوضى في مثل هذه الحالة بالرقم 20. والآن لنفترض أن طفلا دخل هذه الغرفة ولعب في مثل هذه الألعاب ووزعها بشكل عشوائي على كامل أرضية الغرفة يعني تركها في وضعية من الفوضى. فما هو حجم الفوضى الان؟

لدينا عشرون لعبة توزعت عشوائيا على 100 بلاطة، فإن عدد الطرق التي يمكن أن تتوزع فيها عشرون لعبة على 100 بلاطة يكون 10020 وإذا ما استخدمنا اللوغارتيم لهذا العدد يكون حجم الفوضى مساويا 40. هذا يعني أن الفوضى قد زادت من 20 إلى 40. وإذا قمنا بإعادة الألعاب الى ترتيبها السابق فسوف تنخفض الإنتروبي – الفوضى – إلى 20 ولكن في مقابل هذا سوف تزداد الإنتروبي – الفوضى – لجزيئات الهواء الموجودة في الغرفة بحيث تفوق الـ 40. مما يعني أن القانون الثاني للديناميكا الحرارية لا يمكن مناقضته. فعلى ضوء ما تقدم يمكن أن نعرف الإنتروبي بأنها عدد الطرق المحتملة لتوزيع نظام ما ، فكلما زاد عدد هذه الطرق زادت الإنتروبي. فجزيئات الغاز كما في المثال السابق بعد أن تحررت من القنينة توزعت على عدد كبير من مستويات الطاقة وبالتالي فإن عدد الطرق التي يمكن أن تتوزع بها ستكون كبيرة جدا مما يؤدي الى حالة من الفوضى العالية.

تناقضات الإنتروبيا الكونية:

واجه العلماء في القرن الثامن عشر السؤال التالي اذا كانت نجوم هذا الكون تشع منذ الأزل باعتبار أن الكون ليس له بداية فلما لم يصل إلى حالة من التوازن الحراري؟1  والتوازن الحراري الكوني يعني أن يمتلىء الفضاء بطاقة اشعاعية تكون فيها درجة حرارة الفضاء مقاربة الى درجة حرارة النجوم. واحدة من دلالات عدم التوازن الحراري هو الظلام الذي يغطي السماء في الليل. هذا يقود إلى أن الكون له بداية وهذه البداية كانت بشروط خاصة أفضت إلى أن يتطور الكون إلى اللحظة التي عليها الآن. ولنحاول أن نجيب عن هذا السؤال الذي طرحه علماء القرن الثامن عشر بالعودة لمثال الغاز السابق الذي كان داخل القنينة ثم انتشر وتوزعت جزيئاته في الفضاء المحيط بعد أن قمنا بفتح السدادة ولكننا سوف نتصرف به قليلا. لنتصور صندوقا نصفه مليء بالغاز والنصف الآخر فارغ ويفصل بين نصفيه حاجز يمكن إزالته. ففي البداية حيث الغاز محصورا في النصف الأول من الصندوق بفضل وجود هذا الحاجز يكون الغاز عند درجة حرارة معينة وفي حالة من الإنتظام نسبيا يعني ذلك أن الإنتروبي له منخفضة ، وبعد إزالة هذا الحاجز ينتشر الغاز داخل الصندوق بالكامل وترتفع درجة الفوضى لديه حيث تزداد عدد الطرق التي يمكن أن نوزع بها جزيئات الغاز وبالتالي تكون الإنتروبي لديه عالية. لكن الغاز بعد انتشاره  قد انخفضت لديه درجة الحرارة التي كانت لديه قبل إزالة الحاجز وأصبح الغاز داخل الصندوق متوازنا حراريا. لو تصورنا أن هذا الصندوق لديه قابلية للتمدد باستمرار فما الذي يحدث للإنتروبي ودرجة الحرارة. بالطبع كلما تمدد الصندوق فإن جزيئات الغاز يمكن توزيعها بطرق أكثر مما يعني أن اللإنتروبي سوف تزداد وأن درجة الحرارة ستواصل الإنخفاض وأن حالة التوازن الحراري لا يمكن الوصول اليها الا في الحالة التي يصل فيها الغاز الى درجة الصفر المطلق حيث يكون الموت الحراري.

والآن لنتصور نفس هذا المثال ونطبقه على النظام الكوني. فالصندوق يمثل حدود فضاء الزمان- المكان وبدل الغاز سيكون لدينا توزيع متجانس لنظام من الجاذبية مجموعة من النجوم مثلا. فكيف لمثل هذا النظام أن  يتطور داخل الفضاء الكوني مع الأخذ في الإعتبار أن هذا الفضاء يتمدد. سوف يتطور الأمر بحيث تكون كثافة وسرعة النجوم القريبة من المركز عالية بينما تنتشر بقية النجوم في الأطراف البعيدة من المركز وتكون حركتها ضعيفة. هذا الميل لأنظمة الجاذبية أن تنمو على هذا النحو الغير متجانس  لهو مثال على التنظيم الذاتي للجاذبية . إذن أنظمة الجاذبية تعيد تشكيل منظومتها بحيث تتطور من حالة التجانس الى حالة غير متجانسة على عكس الطريقة التي يتوزع بها الغاز حيث يعيد انتشاره في الفضاء بطريقة تجعله أكثر تجانسا حراريا وأكثر فوضوية. وإذا كان الغاز سينتشر كلما إمتد الفضاء من حوله حتى يصل الى الموت الحراري فما الحالة التي سينتهي اليها نظام الجاذبية و تفضي به الى حالة من التوازن حيث تصل الإنتروبيا الى قيمتها القصوى؟ سوف يتطور هذا النظام الى ثقب أسود حيث ينحني الفضاء زمنيا. ويمثل الثقب الأسود حالة التوازن النهائية لنظام من الجاذبية حيث تكون الإنتروبيا في وضعها الأقصى. لقد اكتشف ستيفن هوكوينغ و جيكب بينكشتين بعد تطبيق النظرية الكمية على الثقوب السوداء أن إنتروبيا الثقوب السوداء هي اعلى بكثير من النجوم ذات الكتل المماثلة لهذه الثقوب. وبالأخذ بهذه الحقيقة  والعلاقة بين الإنتروبي والإحتمال فإن نظام متجانس من الجاذبية  من المحتمل أن يتطورأكثر ليشكل ثقوب سوداء وليس هذا التوزيع الغير متجانس من النجوم. روجر بنيروز العالم الفيزيائي الكبير قام بحسابات ليجد أن كون الثقوب السوداء يعني أن تسود به الثقوب السوداء وليس النجوم هو الأكثر احتمالية،  بحيث تصل احتمالية كون تسوده الثقوب السوداء بالمقارنه مع كون تسوده النجوم تعادل 10 مرفوعة الى (1030 ) الى واحد.2 بهذا الإحتمال المذهل يبدو من الغريب جدا أن ينتج الإنفجار الكوني هذا الكون الحالي الذي تسوده النجوم وليست الثقوب السوداء هذا دليل على أن الوضع الحالي للكون هو نتيجة شروط إبتدائية خاصة جدا وأنه لا يوجد فهم حقيقي لإنتروبيا أنظمة الجاذبية.

المراجع:

  1. The Matter Myth, Paul Davies and John Gribbin, Simon & Schuster Paperbacks, 1992.
  2. God & The New Physics, Paul Davies, Simon & Schuster Paperbacks, 1983.
مشاركة المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *