الإثنين , نوفمبر 19 2018

الهندسة المعكوسة – حسن المرهون

الهندسة هي علم يهتم بتطويع جميع العلوم بما فيها الرياضيات وتوظيفها جميعا لإقامة مشاريع تنموية او عسكرية فهي العلم الذي يتضمن التصميم والتصنيع والبناء والحفاظ على المنتج نظامه والهيكل. وتنقسم الهندسة الى قسمين من الناحية العملية فهناك الهندسة الإعتيادية والهندسة المعكوسة. الهندسة الإعتيادية هي الإنتقال بالفكرة من التصاميم على الورق الى التنفيذ على الأرض. فهي تبدأ (اي الهندسة الإعتيادية) بالفكرة وتنتهي بالمنتج. أما الهندسة المعكوسة عكس هذا تماما فهي تبدأ بالمنتج وتنتهي الى فهم الفكرة. فعندما يعرض اي منتج جديد في السوق وتبدأ اي جهة سواء شخص او شركة او حكومة بتفكيك هذا المنتج بقصد معرفة كيفية صناعته وكيف يعمل، يتحقق الشروع في ممارسة الهندسة المعكوسة.

مجالات الهندسة المعكوسة:

تمارس الهندسة المعكوسة بشكل واسع ومنذ القدم وفي كل الحضارات وفي وقتنا الحاضر تمارس على جميع المستويات والمجالات وفي كل انواع التقنية وخاصة في مجال الترفيه والتصاميم الميكانيكية وتصنيع الرقائق الإلكترونية والمنتجات الإستهلاكية وصناعة السيارات وقطع الغيار والكيماويات، ولكن اصعبها هي كل ما يتعلق بهندسة البرمجيات واخطرها ما يتعلق بالصناعات الحربية. فالشركات الكيماوية قد تستخدم الهندسة المعكوسة كي تتغلب على منافسيها في كيفية مداخل التصنيع ، وشركات البناء قد تقوم بنسخ تصاميم الجسور الناجحة لشركات أخرى لتلاشي كوارث الإنهيار.

الهندسة المعكوسة تستطيع تقليد اي منتج او اي قطعة مصنعة عن طريق الحصول على أبعاد القطعة وميزاتها وخصائص المواد المصنعة منها. ولا يتأتى هذا الا إذا تم تعريف المنتج والقاعدة التي تم بناء هذا المنتج عليها. ولأن تعريف المنتج هذا لا يمكن بنائه في الهندسة الإعتيادية الا بعد جهود مضنية ودراسات طويلة وتطويع نظريات وقواعد علمية من خلال أبحاث باهضة الثمن، فهو كذلك يحتاج الى جهود وذكاء لمعرفته في الهندسة المعكوسة. وفي كلتا الحالتين يعتمد على الكومبيوتر للمساعدة على عمل وتطوير التصاميم لأي منتج ودراسة كفاءته او لتعريفه وأخذ مقاساته. ويستخدم عادة برنامج CAD  والذي يساعد في عمل التصاميم ودراسة كفائتها وبرنامج CMM  وهو برنامج يعتمد عليه في  القياس الدقيق لأبعاد اي منتج (او آلة) مهما كان شكل وإنحناء ابعاده.  فهذه البرامج فن يخدم الصناعة الى حد لا يمكن الإستغناء عنه سواء في الهندسة الإعتيادية او المعكوسة فهذه البرامج تستخدم لتصميم كل شيء من هياكل السفن العملاقة والطائرات والسيارات وناطحات السحاب ، وحتى قوارير العطر الصغيرة تستخدم هذه البرامج في تصميم أشكالها.

 

مراحل الهندسة المعكوسة:

تتطلب الهندسة المعكوسة اربع مراحل رئيسية لإنجازها وهي :

  1. تعريف المنتج وغربلة قطعه ومحتوياته بدقة متناهية.
  2. تفكيك المنتج وتوثيق المعلومات.
  3. التحقق من صحة ودقة التصاميم قبل الشروع الى مرحلة التنفيذ.
  4. تصنيع المنتج الجديد.

والمنتج المصنع هذا هو منتج مختلف بأداء مماثل للمنتج الأصلي.  وتعتبر شركة وكيشا  (Waukesha) من أهم الشركات على مستوى العالم لإعادة تصنيع اي قطعة مهما كانت معقدة التصنيع من خلال الخطوات التالية :

  1. معرفة إحتياج المستهلك.
  2. استلام نموذج من القطعة المراد إعادة تصنيعها.
  3. إستخدام برنامج (CMM) لأخذ المقاسات.
  4. معالجة هذه المقاسات بواسطة برنامج (CAD) .
  5. دراسة وتحليل وإختبار المنتج على ضوء نتائج برنامج (CAD) .
  6. إختيار المادة المناسبة لتصنيع المنتج بناء على معطيات برنامج (CAD).
  7. مراجعة الشكل النهائي وطرق تثبيته مع الأجهزة الأخرى والوصلات.
  8. التصنيع.

فهم البرمجيات:

الهندسة المعكوسة ليس بالعمل الجديد إنما هو قديم جدا مارسه الإنسان منذ الآف السنين. فالمهندس الذي يمارس الهندسة في مسارها الطبيعي يعتمد على الدراسة والملاحظة والتجربة كي يخضع مفاهيم الطبيعة لصنع شيء ما لأول مرة، بينما المهندس الذي يمارس الهندسة المعكوسة يقوم بالعمل على فهم شيء موجود صنعه الإنسان. فالهدف الرئيس من الهندسة المعكوسة هو الحصول على معرفة مفقودة.

والهندسة المعكوسة لفهم البرمجيات هي من اصعب وأعقد التقنيات إذ أنك لا تحتاج الى عدة عمل او مفاتيح فك وربط إنما تحتاج الى ذهنية متيقظة ووحدة معالجة متقدمة مثل (CPU) وهو عبارة عن مخ كومبيوتري يقوم بكل ما يحتاجه المهندس من حسابات. لذا نحن بحاجة الى تقنيات هائلة وأدوات متخصصة كي يمكن فهم وفحص ما يدور في البرمجيات ويخضع هذا العمل الى عملية تحليل طويلة وتحديد لمكونات النظام وفهم كيفية ترابطها مع بعضها البعض.

والهندسة المعكوسة لفهم البرمجيات مفيدة جدا لمنع الإجرام الإلكتروني ووقف الفيروسات الإلكترونية التي يطلقها المخربون في الشبكة العنكبوتية وتساعد تقنية الهندسة المعكوسة في معرفة ماتقوم به هذه الفيروسات من أضرار وكيف يتم رصدها وطردها. وكذلك تساعد في إعادة تصنيع القطع الغير متوفرة. وقد استطاعت شركة كومباك للكومبيوترات من استخدام الهندسة المعكوسة لنسخ كومبيوتر شركة IBM واصبحت شركة كومباك بفعلتها هذه أكثر شركة مصنعة للكومبيوترات الشخصية في العالم حتى اشترتها شركة HP عام 2001م.

لكن تبقى الصناعات الحربية هي الأخطر في الهندسة المعكوسة والتي عادة ما تحاط بالسرية الفائقة لأنها سر من اسرار قوة الدول ونتائج لأبحاث مكلفة من المال والوقت.

أشهر قضايا الهندسة المعكوسة للأسلحة العسكرية:

  1. تمكن الإتحاد السوفيتي خلال الحرب العالمية الثانية من إخضاع ثلاث قاذفات إمريكية من نوع B-29 الإمريكية على الهبوط في مطارات الإتحاد السوفيتي وبعد عدة سنوات صنع الإتحاد السوفيتي نسخا منها مستخدما الهندسة المعكوسة وسماها TU-4.
  2. الإمريكان والروس أعادوا صناعة الصاروخ الإلماني (V-2) بعد هزيمة إلمانيا في الحرب العالمية الثانية وقد حصل الأمريكان على خرائط هذا الصاروخ بينما أسر الروس عدد من العلماء الألمان واستطاعوا جميعا صناعة نسخة من هذا الصاروخ الإلماني والذي بصناعته بدأ سباق غزو الفضاء بين الروس والأمريكان بفضل هذا الصاروخ.
  3. إستطاعت ايران من إنزال طائرة التجسس الأمريكية RQ-170 على اراضيها بأضرار خفيفة عام 2011م وتم إعادة صناعتها عام 2014م اي بعد ثلاث سنوات تقريبا بواسطة الهندسة المعكوسة. وهناك تخوف امريكي مازال قائما من معرفة الإيرانيين للتركيبة الكيميائية للرادار والطلاء العاكس للطائرة والذي مهمته تشتيت الرادارات الأرضية وكذلك عمل عدسات التصوير المتطورة جدا والمزودة بها الطائرة.

الختام:

لا شك أن الهندسة المعكوسة تستهوي الكثير من الناس وهي هواية للبعض وقد لاحظنا الكثير من الآباء ممن يهوى تفكيك الراديو ويحاول معرفة كيف يعمل وكيف يستقبل الموجات لكن الآن بات الأمر أصعب مع وجود الأجهزة الرقمية المعقدة والمصنعة بطريقة لا يمكن رؤية اي شيء مفيد داخل صندوقها، هذا إذا تمكنت من فتحها أساسا.

لذا تعتمد الهندسة المعكوسة على فنون ومهارات عدة  لسبر غورها ككسر الشفرات وحل الغاز البرمجة والتحليل المنطقي لها وهذه الفنون والمهارات يحددها الهدف من وراء ممارسة الهندسة المعكوسة فهل هو للمنافسة التجارية او لحماية المنتج من البرامج الضارة او لتطوير المنتج ، فمن لا يملك القدرة على بناء مراكز ابحاث ولا جامعات متقدمة عليه اللجوء الى الهندسة المعكوسة فهي تقنية الفقراء إن صح هذا التعبير وهي اقصر الطرق وأرخصها لإمتلاك التقنية اللازمة والضرورية للتصنيع.

مشاركة المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *