الإثنين , نوفمبر 19 2018

حسن المرهون

كشف الشبهات بين الخراري وابو الليرات

لقطتان تم تداولهما مؤخرا على مختلف التواصل الإجتماعي……. لقطتان تختصر المشهد وتقطع دابر الكلام………. لقطتان تغني عن الآف المفردات ….. لقطتان تقدم دروسا في التاريخ والجغرافيا وعلم الإجتماع….. لقطتان كاشفتان عن واقع  تاريخ القطيف البيئي خلال السنوات القلائل الماضية…… لقطتان من ابرز عناوينها إن أردنا لها عنوان : أن العلاقة بين الإنسان ومختلف الكائنات قد تحطمت على هذه البقعة الصغيرة… وأن هناك تصرف غير اخلاقي تمت ممارسته ضد الطبيعة.

اللقطة الأولى : نشرها المصور علي ابو الليرات ويبدوا أنها من تصوير والده (المؤرخ والمصور) ابو علي  الحاج عثمان ابو الليرات والتي تم إلتقاطها عام 1398 هجرية (كما نقل الأخ علي ابو الليرات).

واللقطة الثانية: من تصوير الفوتوغرافي الرائع الأستاذ محمد  عبد الله الخراري وتم إلتقاطها عام 1431 هجرية لنفس المكان وبنفس الزاوية.

الفرق الزمني  بين اللقطتين هو 33 سنة ، لكنها كفيلة بأن تضع النقاط فوق الحروف،،،،، اللقطة الأولى تنبض جمالا وحياة وخضرة  وظلال وغذاء وماء وملجأ للإنسان والحيوان،،،،،، واللقطة الثانية تفتقر للظلال وللحياة وهي موطن للغبار والقبح ويفر الإنسان منها قبل الحيوان ، وفي ايام الصيف يجتهد الماره لقطع هذه المساحة الصغيرة بسرعة هربا من الحر والعطش.

المكان الآن يعرف بساحة العزاء بالشريعة والذي  كان وكما توضح اللقطة الأولى نخلا لمالكه عباس خيال (حسب ما تم تداوله). لقد تم إستبدال النخيل بالسيارات والشاحنات والخضرة والماء بالغبار والجفاف. هي مساحة صغيرة وسط الأسواق ولا ضير أن يحتاجها المجتمع لمختلف الخدمات ، لكن الضير أن مثلها الآف المساحات الخضراء قد لاقت نفس المصير وأن مسمى واحة القطيف  أوشك أن يكون في خبر كان، وكما هو ملاحظ من اللقطة الأولى ، زحف خرساني ثم تطويق للنخيل، ثم الهجوم بلا رحمة على ما تبقى، والنتيجة كما تبين اللقطة الثانية. نشكر ابو الليرات والخراري لتقديم اللقطتين كشاهد عيان مرئي يمكِننا جميعا من المقارنة وإن كانت تدمي القلب، مع العلم أن يد العبث مع الطبيعة في هذه المنطقة وغيرها بدأ قبل إلتقاط اللقطة الأولى  ولو كنا نملك لقطات أقدم لرأينا جمالا أعمق.

إسمحوا لي أن أخلط الأوراق قليلا، وأربط الماضي بالحاضر والواجب بالمستحب والفائت باللاحق والأخضر باليابس وأتسائل:

  • هل إبتسمنا ونحن ننظر الى اللقطتين، أم شابنا بعض الحزن؟
  • هل نحن نعشق الجمال؟ أم نعشق القبح!.
  • كم نخلا تم إستباحته وتمكين التصحر من ترابه في طول وعرض واحة القطيف؟
  • هل نعي ما هو التوازن البيئي؟
  • هل بيننا وبين الطير عداوة؟
  • هل النخلة سببت لنا الأذى حتى ننحرها من الوريد الى الوريد؟
  • هل وجع مثقفينا المهتمين بالبيئة هراء؟
  • هل لحب الأوطان مكان بين جوانحنا؟
  • هل بدأ أعضاء لجنة كل من عليها فان بالبحث عن الواح مستوردة لتغطية لحود موتانا؟
  • واخيرا هل هناك قدسية للبيئة في الإسلام؟

وهل هناك ثمة رسالة من الإمام الحسين عليه السلام لنا في كل عام نحيي فيه ذكراه في ساحة الشريعة!!! أن إهتموا بالبيئة وإبحثوا عن اللون الأخضر في ساحاتكم وبيوتكم وقلوبكم، وهو المروي عنه عليه السلام: “لا تقطعوا الثمار (الأشجار المثمرة) فيصب عليكم العذاب صبا”.

الدين يحثنا، والعلم يحذرنا والمثقفون يبادرون…..

يحثنا القرآن الكريم على المحافظة على الأرض وإعمارها والإهتمام بثمارها، والحفاظ على من يسكن هذه الأرض من حيوانات وحشرات وطير، ولأن ما يميز اللقطتين عن بعضهما وجود النخيل ، نذكر بعض الأيات التي ذكرت النخيل وأنها نعم من نعم الله ومن خلالها يدعونا رب العزة والجلال لأن نتفكر ونعقل:

  1. قال الله تعالى (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) (البقرة – 266).
  2. قال الله تعالى (فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ) (المؤمنون – 19)
  3. قال الله تعالى (وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (الأنعام – 99)
  4. قال الله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (الأنعام-141)
  5. قال الله تعالى (وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ) (ق – 10)
  6. قال الله تعالى (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا) ﴿مريم – 25﴾
  7. قال الله تعالى (فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ) ﴿الرحمن – 11﴾
  8. قال الله تعالى (ينبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿النحل -11﴾
  9. قال الله تعالى (وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴿النحل – 67﴾

وما أسماء سور القرآن الا دليلا آخر على دعوة الخالق للإنسان للإهتمام بالطبيعة ،،، فنرى سور بأسماء الحيوانات كالبقرة والأنعام والنحل والنمل والعنكبوت والعاديات (الخيل) والفيل، ومن النباتات نرى سورة التين ، ومن الظواهر الطبيعية والتضاريس الأرضية التي لاتنفك بعلاقتها مع البيئة نرى سور الرعد والكهف والنور والذاريات والنجم والقمر والبروج والفجر و الشمس والليل والضحى والعصر.

كما أكدت أحاديث رسول الله صل الله عليه وآله وسلم بكل وضوح على أهمية إحياء الأرض وغرس الزرع:

  • فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: “ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه إنسان أو طير أو بهيمة إلا كانت له به صدقة”.
  • وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: “إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها”.

وعلى خطى الحبيب محمد صل الله عليه وآله وسلم  سار أهل البيت عليهم السلام  على نفس النهج فهذا الإمام االباقر عليه السلام يقول: “كان أبي يقول خير الأعمال الحرث يزرعه فيأكل منه البرّ والفاجر”.

كما روي عن أبي عبد اللَّه الحسين عليه السلام أنه قال: “ازرعوا وأغرسوا فلا واللَّه ما عمل الناس عملاً أحلّ ولا أطيب منه”.

واضح ما ترمي اليه الآيات والأحاديث على أن الحساب يوم الحساب لن يكون على العلاقة بين الإنسان والإنسان فقط بل سيمتد الى العلاقة بين الإنسان وكل مايحيط به (يعني البيئة). واللبيب بالإشارة يفهم.

الدين يحثنا، والعلم يحذرنا والمثقفون يبادرون…..

أما العلم فحدث ولاحرج ، فكل الدراسات البيئية تحذرنا من إفساد التوازن البيئي ، والإهتمام بالنظام العام للطبيعة، وأن من أهم أنواع التلوث:

  • التلوث البصري
  • التلوث السمعي
  • وتلوث الهواء

وأنواع التلوث هذي وما تحمله من أضرار قد تم تحققها في اللقطة الثانية بالتمام والكمال، فالمنظر بشع في اللقطة الثانية مقارنة مع اللقطة الأولى، وفي اللقطة الثانية لا تسمع الا ضوضاء المحركات وغياب أصوات الطيور وتغريدات العصافير، أما الهواء بدلا من نقاء نسيمه وهو يمر بين السعفات أصبح مليئ بالغبارومخلفات المحركات.

الدين يحثنا، والعلم يحذرنا والمثقفون يبادرون…..

لقد رفع الصوت كثير من أبناء هذا المجتمع للحفاظ على البيئة وتوسيع الرقعة الخضراء عبر الكتابة وإقامة النشاطات المختلفة ومخاطبة المسؤولين، فلهم عنا جميل الشكر والتقدير لجهودهم المباركة، ومن بعض النشاطات الجديرة بإحترام القائمين عليها (حتى لا نظلم أحدا هذه أمثلة فقط والا هناك الكثير من الغيورين ممن قدموا الجهد والوقت والمال للحفاظ على البيئة): مهرجان قطيفنا خضراء (جمعية العطاء) – مجموعة قطيف الغد – الجماعة الخضراء بالقطيف – لجنة أصدقاء البيئة – الخليج الأخضر – فريق منارات مشرقة التطوعي –  مجموعة رصد وحماية الطيور – حملة نزرعها لننعم بها – جمعية الصيادين بالقطيف – وغيرها من المبادرات الجميلة التي نتمنى أن تواصل الدرب مثل حملة بحرنا خالي من التلوث وفريق توثيق نخيل القطيف وفريق قطيف الخير التطوعي – ….. والبعض من الغيورين قدم دراسات للواقع البيئ المؤلم في المنطقة – مثل الدراسة التي قدمها المهندس علي الربح بعنوان (مواقع وحجم وآثار التلوث على البقعة الزراعية) وهناك اشخاص بذلوا جهودا كبيرة في هذا المجال مثل الأستاذ مؤيد آل قريش والأستاذ جعفر الصفواني. وساهم كثير من الكتاب والصحفيين من أبناء المجتمع في نشر ثقافة الحفاظ على البيئة كالأخت عبير جابر في تقرير لها “الزحف على السواحل يفني أشجار القرم” والأخت مريم عبد العال في مقال لها بعنوان – المجتمع القطيفي وركلة للقيم البيئية – قالت كلاما قاسيا لكنها محقة وإن دل هذا على شيء إنما يدل على عمق الألم الذي يحدثه العبث بالبيئة …… إذ قالت: الإنسان القطيفي كفر بتراب أرضه ودمرها خلال عقود معدودة,,,,, اليها والى جميع النشطاء والغيارى في هذا المجال نرفع قبعات الإحترام والتقدير ونشد على أياديهم جميعا أن واصلوا فبكم وبنشاطاتكم سيتم إنقاذ الواحة أو على الأقل الحفاظ على ما تبقى من الرقعة الخضراء.

ونحن أمام خيارين لا ثالث لهما: إما نقبل بالتصحر ونخالف الشرع والعقل ونتبع الجهل وإما نضع يدنا مع أبناء المجتمع الغيارى على بيئتهم ونعمل جاهدين لإعادة واحة القطيف خضراء كما زرعها الأجداد، ونحظى  بالألطاف الإلهية ، يقول الله عز وجل (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّـهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّـهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ) ﴿الحج – 63﴾.

 

مشاركة المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *