طير سقارة وبطارية بغداد – حسن المرهون

مع بداية خلق الإنسان على هذه الأرض بدأ دوره في بناء الحياة وبشكل تراكمي، فكل خطوة يخطوها الإنسان يستفيد منها الذي يليه في العيش على هذه الأرض، فأي فكرة او إكتشاف يتوصل اليها السابق يبني عليها اللاحق وينطلق وإن طال الزمن بين الإثنين، لكن أحيانا يتوقف الزمن لأسباب نجهل معظمها ، قد تكون كوارث طبيعية كالزلازل والبراكين او حروب بين الدول والقبائل او هجمة تخلف عن طريق عجز المجتمعات اللاحقة عن مواكبة المجتمعات السابقة بالتخلي عن الإبداع وتغليب الخرافات. كوارث كفيلة بأن توقف مسيرة البناء لدى الإنسان وتعيده الى الوراء ويحتاج الى نهضة ودافعية جديدة ليبدأ دوره في البناء من جديد. وقد أصاب هذا البلاء حضارات إنسانية متعددة عبر التاريخ وفي مناطق كثيرة من الكرة الأرضية وربما أهمها منطقتنا الواقعة بين الفراتين والنيل. فهل يعقل أن البطارية الكهربائية التي تم تصميمها عام 1866 م بواسطة المهندس الفرنسي لا تختلف عن تصميم البطارية التي تم العثور عليها في بغداد والتي يعود تاريخها الى حقبة الحضارة الساسانية او الحضارة الباراثية  (250 عام قبل الميلاد تقريبا) في بلاد الرافدين، بفارق اكثر من 2116 عام. وأن فكرة تصنيع طائرة للإنتقال من مكان لآخر كانت موجودة ايام الفراعنة وبالتحديد في عام 200 قبل الميلاد،  بينما تم تصميم أول طائرة تستطيع الطيران في عام 1891م من قبل المهندس الإلماني أوتو ليلينثال.

بطارية بغداد:

البطاريات دعمت الحياة الحديثة بطرق شتى فنحن نستخدم البطاريات في الريموت لتغيير قنوات التلفزيون ولتشغيل محرك السيارة  ونعتمد عليها عندما تنطفئ الكهرباء وفي المناطق التي لم تصل اليها الكهرباء، وما زالت البطاريات بأشكالها المختلفة وأحجامها المتعددة تدعم التطور. ويحكي لنا التاريخ أن اول بطارية صنعها الإنسان هي عبارة عن جرة صغيرة من الصلصال إرتفاعها 133 مليميتر ولها فاه دائري قطره 38 مليميتر، وتم اكتشافها في العراق ولها من العمر اكثر من 2000 سنة.

وقصة اكتشاف بطارية بغداد تعود الى العالم الإلماني ويليم كونيك الذي جاء من اوروبا مع مئات من أمثاله للبحث عن دلائل لإثبات صحة قصص الكتاب المقدس والتي حدثت وقائعها في فلسطين والعراق مثل طوفان نوح وشجرة المعرفة وغيرها.  وفي المتحف العراقي وفي عام 1938م انتبه هذا العالم الإلماني كونيك الى هذه الجرة وبدأ بدراستها وأثبت أنها بطارية.  حيث وجد بداخلها اسطوانة من رقائق النحاس مثبتة بعنق الجرة والجزء السفلي من الإسطوانة مغلف بقرص نحاسي مزود بقضيب حديدي لتثبيته داخل الإسطوانة. ووجد القضيب الحديدي متآكلا بتأثير محلول من الخل او الليمون.

أثار هذا الإكتشاف جدلا بين العلماء قائما حتى الآن عن صحة هذا الإدعاء وهل أن الحضارة الساسانية او الحضارة البارثية في بلاد الرافدين حقا قد تعرفا على التيار الكهربائي وتم تصنيع البطارية؟ وتم إثارة كثير من الأسئلة مثل ما هي مجالات استخدام التيار الكهربائي آنذاك؟ وكيف يتم نقل هذا التيار الصادر من البطارية؟

العلم الحديث يؤكد لنا أننا نحتاج الى معدنين ذواتا جهدين مختلفين ومحلول حامل للأيونات ليحملها بين المعدنين كي نحصل على تيار كهربائي. وهذه الأشياء متوفرة في الجرة الفخارية ومثيلاتها الموجودة في متحف بغداد وأن المعدنين هما النحاس والحديد مثبتين بطريقة هندسية رائعة حيث ان فوهة الجرة مغلقة بشكل جيد بمادة القار. ولا ينقصنا بالجزم بأنها اول بطارية كهربائية صنعها الإنسان الا فقدان الأسلاك الموصلة للكهرباء فلم يتم العثور على ذلك حتى الآن.

معظم العلماء متفق ان جرة بغداد هي بطارية لكن هل تعمل؟ وماهي استخداماتها ؟ وكيف استطاع الإنسان أن يفهم مبادئ الكهرباء قبل اكثر من 20 قرنا.

الدكتورة مارجوري سينيشل استاذة قسم تاريخ العلوم والتقنية بكلية سميث الأمريكية طلبت من جميع طلابها عمل بطارية مشابهة لبطارية بغداد الفخارية ، واستطاعت معظم البطاريات المصنعة من قبل الطلاب إنتاج تيار كهربائي يتراوح بين 2 و 8 فولت، وأوضحت  الدكتورة مارجوري معلقة على نتائج البطاريات: (أنا لا أعتقد أن أحدا يستطيع أن يقول على وجه اليقين لماذا تستخدم هذه البطاريات ولكن بالتأكيد أن لديهم بطاريات تعمل وتولد كهرباء).

أما استخدام بطارية بغداد فقد اختلف فيه العلماء فالبعض قال أنها ليست بطارية إنما أواني لحفظ النصوص المقدسة وأن الورق بداخلها تعفن وترك أثرا حمضيا داخل الجرة ويدعمون هذا الإدعاء بعدم وجود أسلاك لنقل الكهرباء وأن الختم من القار المستخدم في فوهة الجرة لا يسمح بملئ الجرة بالخل بين الحين والآخر. والبعض الآخر أقر أنها بطارية كهربائية لكن لغرض طلاء المعادن ويؤيد هذا الإدعاء وجود الكثير من المعادن مطلية بالذهب والفضة في مناطق اكتشاف هذه الجرار.

وفي عام 1978م قام مدير متحف رومر بيليزيوس بمدينة هيلدزهايم الإلمانية بنسخ لبطارية بغداد ووضع عصير العنب كمحلول كهربائي واستطاع توليد 87. فولت وطلاء بعض المعادن بالفضة بسمك واحد من عشرة الآف مليميتر.

Related image

طير سقارة:

طير سقارة المثير للجدل هي قطعة أثرية من خشب الجميز منحوتة على شكل طائر تم اكتشافها عام 1898م في مقبرة  بادي إيمن بمنطقة سقارة المصرية وتعرض حاليا بمتحف القاهرة ويرجع تاريخها الى عام 200 قبل الميلاد. يزن الطير الخشبي 39.12 جرام وعرضه بالجناحين 180 مليميتر. عالم الآثار المصري خليل مسيا اول من لاحظ أن هذا الطير هو تصميم لنموذج طائرة بوجه طير وليس مجرد تمثال لصقر ويعتقد انه دليل واضح على أن الفراعنة لهم معرفة بعلم الطيران ويستدل العالم خليل مسيا على صحة كلامه بوجود كتابة على متن الطير باللغة الهيروغلوفية تقول (هدية آمون) ومخطوطة من ورق البردي وجدت قريبة من الطير حين العثور عليه مكتوب فيها (أريد أن اطير). ولأن وضع الجناحين لطير سقارة صمم بشكل منفصل على ظهر الطير وكذلك ذيل الطير صمم بشكل عمودي لدليل على أن هذا ليس لعبة لأحد أبناء النخبة من الفراعنة وليس له علاقة بالطقوس والشعائر الفرعونية بتاتا.  فهل هذا الإدعاء صحيح وأن الفراعنة فعلا كانوا يفكرون بوسيلة مواصلات كالطائرة؟ وهل هذا النموذج قابل للطيران؟

العالم المصري خليل لم يتأخر كثيرا للإجابة على هذه الأسئلة فصمم طيرا مشابها لطير سقارة وأضاف له ذيل وتمكن هذا النموذج من الطيران.  وفي عام 2006م صمم خبير الطيران سايمون ساندرسون نموذج شبيه لطير سقارة وبدون إضافات وإختبره في مختبر تأثير الرياح على هيكل وجناحي الطائرات ووجد أن النموذج يستطيع أن يولد اربعة أضعاف وزنه من الهواء الصاعد,,, اي انه قابل للطيران وبسهولة. التصميم فريد من نوعه وقابل للطيران والكتابة التي وجدت معه تؤيد أن طير سقارة كان مشروعا للطيران.

Image result for lithium battery

الجديد في عالم البطاريات (بطاريات الليثيوم):

تم اختراع بطاريات الليثيوم القابلة للشحن بواسطة الكيميائي الأمريكي جون جودنوغ وفريقه عام 1970م بجامعة اكسفورد بعد أن طور فكرة سابقة للعالم ستانلي ويتنبج بإضافة الكوبالت كقطب موجب في البطارية وتم نشر هذا البحث عام 1980م، بعدها بسنوات استطاع الياباني اكيرا يوشينو من تطوير هذه البطارية كي يحل مشكلة شركة سوني مع بطاريات كاميرات تصوير الفيديو الثقيلة والمتعبة فتم صنع اول بطارية ليثيوم قابلة للشحن وبكميات تجارية عام 1991م. وهي ذاتها البطارية التي نستخدمها الآن في جميع الأجهزة المحمولة. وبطارية الليثيوم القابلة للشحن تتكون من ثلاث مكونات وهي قطب موجب (من الكوبالت) وقطب سالب (من الكربون) ووسط كيميائي (اكسيد الليثيوم والكوبالت). فعند شحن البطارية يبدأ اكسيد الليثيوم والكوبالت مع القطب الموجب بإنتاج ايونات الليثيوم التي تنتقل الى القطب السالب (الكربون) وتستقر فيه (هذا الإستقرار هو تخزين للطاقة) ، وعندما ينتهي الشحن تبدأ ايونات الليثيوم بالرجوع الى القطب الموجب من خلال الوسط الكيميائي فيقل تخزين الطاقة في البطارية رويدا رويدا حتى تنفذ. ومن خلال هذا الإنتقال تتولد الطاقة في الجهاز بإنتقال الألكترونات في الدائرة الخارجية (خارج البطارية) بإتجاه معاكس لحركة الأيونات. فالأيونات تنتقل داخل البطارية ومن خلال الوسط الكيميائي (اكسيد الليثيوم والكوبالت) لتخزين وإفراغ الطاقة بينما الإلكترونات تنتقل خارج البطارية (في الدائرة الإلكترونية للأجهزة كجهاز الجوال او الكومبيوتر) منتجة الطاقة التي تحتاجها هذه الأجهزة. وفي وقتنا الحاضر (2016م) تجري الأبحاث على تطوير طلاء مركب من مواد البولثيلين والنيكل والجرافين لطلاء اصابع البطاريات (القطب السالب والموجب) لمنع اشتعال البطاريات في حالة شحنها اكثر من اللازم او في حالة وجود ماس كهربائي. هذا الطلاء جيد التوصيل للكهرباء لكنه يمنع التوصيل مباشرة حين ارتفاع حرارة الأصابع، وعندما تبرد الأصابع يعود لسيرته الأولى.

 

الجديد في عالم المواصلات (الطائرات بدون طيار):

استخدم الإنسان الحيوانات كوسيلة للتنقل منذ أن خلقه الله سبحانه وتعالى ولم يطرأ اي جديد في وسائل النقل الا عام 3500 قبل الميلاد عندما إخترع العراقيون العجلة وبعدها إخترع المصريون القوارب الشراعية عام 3100 قبل الميلاد. وفي عام 400 قبل الميلاد إخترع الصينيون الطائرة الورقية وبعدها بمئتي عام إخترعوا الفانوس الهوائي. وجاء عباس ابن فرناس عام 880 ميلادية ليجرب الطيران فألقى بنفسه من مرتفع بعد أن صنع له جناحين من ريش الطيور. ووجد تصميم لخفاش طائر في مخطوطات ليو ناردو دفنشي والذي كتبها عام 1485م. وفي عام 1783م تمت تجربة المنطاد بالهواء الحار في فرنسا لأول مرة والذي صنعه الإخوة مونتجولفييه والطائرة الشراعية عام 1794م الى أن اتى المهندس الإلماني اوتو ليلنثال عام 1891م وصمم طائرة شراعية (Glider) استطاع ان يحلق بها مئات المرات، ثم جاء الأخوان رايت عام 1903م وبعد جهود مضنية لأربع سنوات استطاعا تصميم اول طائرة بمحرك ، وتمكنت الطائرة في تجربتها الأولى من قطع 36 متر وعلى ارتفاع ستة أمتار ولمدة 12 ثانية فقط  في أحد شواطئ ولاية كارولينا الشمالية بأمريكا. وهكذا تتطورت وسائل النقل شيئا فشيئا حتى عام 1952م عندما بدأت في اوروبا خدمة الطائرات النفاثة بشكل واسع لنقل الركاب وفي عام 1970م تم إدخال اول طائرة لشركة بوينج 747 للخدمة. وبدأ سباق صنع الطائرات السريعة والمريحة لنقل الركاب عبر المحيطات والوصول الى اي بقعة على الكرة الأرضية. فتم صنع الطائرة الروسية  Tupolev-144  والتي تصل سرعتها القصوى الى 2430 كم/س وتحمل 140 راكبا وطائرة الكونكورد الفرنسية البريطانية والتي تصل سرعتها القصوى الى 2179كم/س وتحمل 128 راكبا، الا أن كلا الطائرتين تم ايقافهما بعد صنع 16 طائرة من الروسية و20 طائرة من الكونكورد لأسباب تتعلق بالسلامة. وصمدت طائرات شركتى الإيرباص الفرنسية والبوينج الأمريكية والتي تصل سرعاتها الى حد معقول مع مراعاة معيار عالي للسلامة، إذ يبلغ سرعة الإيرباص A380  القصوى  الى 1020 كم/س بينما البوينج 8-747 الى 988 كم/س وكلاهما يستطيعان نقل ما بين 500 الى 800 راكب على حسب طريقة توزيع المقاعد التي تعتمدها خطوط الطيران المالكة.

وما زالت تقنية تطوير الطائرات على قدم وساق ، فالأبحاث قائمة لصنع طائرة تعمل على الطاقة الشمسية وبدون طيار، بالإضافة الى تطوير أجهزة الإتصالات وتحديد أماكن تواجد الطائرات في اي وقت وتحت اي ظرف، وتطوير معدن صناعة هيكل الطائرات ورفع مستوى عوامل السلامة  وسبل الراحة بداخلها.

خاتمة:

إن أهم ما يميز حضارة الإنسان في القرن الواحد والعشرين هو التحكم بالطاقة وتعدد سبل المواصلاات والتي أهمها بلا منازع الطيران. الحضارة الساسانية او البارثية قبل اكثر من 2000 سنة وفي بلاد الرافدين استطاعت ان تتوصل الى البطارية الكهربائية والتي هي الشرارة الأولى لإنطلاق التحكم بالطاقة . والفراعنة في مصر وقبل 2000 سنة ايضا كانو يحلمون بالتنقل بطائرة تشبه الصقر.  والآن ونحن في عام 2016م ، لا العراق يساهم في التحكم بالطاقة ولا مصر تساهم في تطوير وسائل المواصلات المختلفة وكلاهما خارج منطقة البناء عوضا عن المساهمة في الإضافة للحضارة الإنسانية المعاصرة، فهل توقف الزمن؟ واذا صح هذا القول فهل أسبابه الكوارث الطبيعية أم الحروب الطاحنة أم أن أقدم حضارتين على وجه كوكب الأرض قد ابتعد احفادها عن الإبداع واستبدلوه بما يضر ولا ينفع. وبالرغم من وجود منشطات حضارية قوية شهدتها هذه المنطقة خلال هذه الـ 2000 سنة إذ مرت على هذه المنطقة حضارات ونهضات إنسانية مختلفة كان أهمها الحضارة الإسلامية وخاصة بين عام 750م و 1100م حيث سادت حركة علمية هائلة لكنها بدت تخفت شيئا فشيئا ، هل هذه سنة الحياة؟ أم أن هناك خلل ما يجب فهمه ومعالجته…….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.