الإثنين , نوفمبر 19 2018

المصعد الفضائي

shutterstock_4270579هناك قائمة طويلة من التحديات التي تواجه حلمنا بالترحال في أرجاء الفضاء. من ذلك التكلفة العالية جداً للوقود اللازم لإطلاق مركبة فضائية نحو الأعلى متغلبة على قوة الجذب الأرضية. الصعود للأعلى دوماً شاق، ومن يستخدم السلم ليصعد عشرة طوابق فسيدرك ذلك سريعاً. لذلك تم اختراع المصعد، لكن لِمَ لا يسعنا أن نصنع مصعداً هائلاً يمتد من الأرض إلى حدود الفضاء الخارجي؟

ظهرت فكرة المصعد الفضائي لأول مرة من قِبل عالم الفيزياء الروسي قسطنطين تسيولكوفسكي، في عام 1895م. وكان قد استلهم هذه الفكرة عندما زار برج إيفل في باريس، حيث اقترح بناء برج يربط سطح الأرض بالمدار الجغرافي الثابت على ارتفاع 36 ألف كيلومتر تقريباً. وفي عام 1960م، اقترح عالم الفيزياء الروسي يوري أرتسوتانوف مدّ كابل طويل مشدود يربط المصعد الفضائي بالأرض، على أن يكون هذا الكابل مساراً للمصعد الفضائي.

Tsiolkovsky
قسطنطين تسيولكوفسكي

أخذت فكرة المصعد الفضائي تشق طريقها في الخيال العلمي، وقد كُتب فيها كثير، ومن أشهر الروايات التي كُتبت حول ذلك، رواية «ينابيع الجنّة» للروائي البريطاني آرثر سي كلارك، المنشورة عام 1979م. كان كلارك في أعلى درجات التفاؤل بالمصعد الفضائي. وعندما سُئل عن موعد ذلك قال: «ربما، بعد خمسين عاماً، عندما يتوقف الجميع عن الضحك على هذه الفكرة».الممكن نظرياً
إن المبدأ الفيزيائي الأساس الذي يرتكز عليه المصعد الفضائي، هو قوة الطرد المركزية، وهذه القوة هي التي تمنع انسكاب المياه من السطل الدوار المشدود بالحبل عندما تكون فوهته إلى الأسفل.

تثبت الكتلة الضخمة (الثقل الموازن)، أي المحطة الفضائية المدارية، فوق مركز مدار الأرض، وبارتفاع 36 ألف كم تقريباً، وهذا الارتفاع هو المدار الجغرافي الثابت للأرض الذي يتزامن في دورانه معها، أي إن الجسم يبقى ثابتاً فوق نقطة غير متغيرة بالنسبة لنا، مثل الأقمار الصناعية التي تبدو لنا ثابتة لتطابق سرعتها سرعة دوران الأرض. وتتصل الكتلة الضخمة بالأرض بكابل قوي. ولأن الأرض تدور، فسوف تتشكل قوة طرد مركزية تجعل الكابل مشدوداً دائماً من جهة الفضاء، أي إنه سوف يكون تحت تأثير قوتين متعاكستين: الجاذبية الأرضية وقوة الطرد المركزية.

إلا أن المشكلة الرئيسة، هي نوع المادة المصنوع منها هذا الكابل، فعليها أن تكون قوية جداً، تتحمل الضغط بشكل كبير، كما يجب أن تكون أقوى بكثير من الفولاذ. وهذا ما يبحث عنه العلماء في علم المواد، أي تصنيع مادة قوية جداً، تكون من أقوى وأصلب المواد على كوكب الأرض.

بعد ما أحرزه علم تقنية النانو من تقدم سريع، في النصف الثاني من القرن العشرين، تم اكتشاف الأنابيب النانوية الكربونية في عام 1991م، بواسطة الباحث الياباني سوميوليجيما. وهي أنابيب ذاtowerت قطر نانوي (النانو يساوي جزءاً من مليار جزء من المتر) مكونة من ذرات الكربون فقط، في شكل حلقات سداسية تشبه (أسلاك أقفاص الطيور). وهذه المادة هي من أقوى المواد المعروفة في الوقت الحاضر، ويعود سبب ذلك إلى الروابط التساهمية القوية بين ذرات الكربون بعضها ببعض، وتمتلك مقاومة شد عالية جداً ولها معامل مرونة كبير، أي إنها تمتلك القدرة العالية على تحمل الإجهاد. كذلك تمتاز الأنابيب النانوية الكربونية بكثافة منخفضة مقارنة بمواد أخرى كالفولاذ مثلًا، أي إنها خفيفة الوزن، إضافة إلى موصلتها العالية للكهرباء، وهذه الخصائص المجتمعة فيها، تجعلها المادة المناسبة لذلك.

31وكمثال توضيحي على ذلك، للمقارنة بين مقاومة الشد للأنابيب النانوية الكربونية والفولاذ، فالفولاذ يتحمل قوة شد تبلغ 100 كجم/مم2، أي إنه إذا كان لدينا عمود فولاذي مساحة مقطعه 1 مليمتر مربع فإنه لا ينقطع إلا بتأثير قوة قدرها 100 كجم (980 نيوتن)، بينما نجدها في الأنابيب النانوية الكربونية عالية جداً، 6000 كجم/مم2، أي ستين ضعفاً!

وحيث إن المصعد الفضائي سوف ينطلق من الأرض بسرعة كبيرة، سيكون معرضاً للسقوط بفعل الرياح والأعاصير، لذلك يجب أن نختار محطة الانطلاق بعناية فائقة للتغلب على هذه المشكلة.

إلا أن المشكلة الرئيسة التي تواجه العلماء ليست في ذلك، ولا في الطاقة التشغيلية، فالأنابيب النانوية الكربونية المصنوعة في المختبر لا يتعدَّى طولها السنتيمترات، وهناك ما هو أطول من ذلك لكنها ما زالت متواضعة. ففي عام 2013م، تم الحصول على أنابيب بطول نصف متر، من قبل باحثين صينيين في جامعة «تسينغ – خوا» في بكين، بينما نحن نحتاج لكابلات طولها عشرات الآلاف من الكيلومترات لتحقيق مشروع المصعد الفضائي، وهناك أمل كبير في الوصول إلى ذلك، ذلك أن الأبحاث في مجال الأنابيب النانوية الكربونية تحقق تطوراً هائلًا، وهذا التطور بالطبع سيقربنا أكثر من هدفنا.

فإذا تمكنا خلال العقود المقبلة من صناعة هذه الكابلات الطويلة، وهذا هو التحدي الكبير الذي يواجه العلماء، سنكون قاب قوسين أو أدنى من تحقيق هذا المشروع العظيم، الذي لن يساعد في خفض التكاليف المادية للنقل إلى الفضاء فحسب، بل سوف يجدد آمالنا بالسفر الى النجوم، تلك التي تبعد عنا مسافات شاسعة جداً تقاس بالسنوات الضوئية!

وهناك، بالمناسبة، شركة يابانية هي شركة «أوباياشي» متفائلة جداً بقدرتها على تنفيذ المشروع، في ظل التطور الذي يشهده قطاع الأنابيب النانوية الكربونية. وقد حددت العام 2050م، لجاهزية هذا المشروع.

الكاتب : حسن الخاطر

المصدر :

المصعد الفضائي

 

مشاركة المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *