المقوسات – حسن المرهون

داء المقوسات مرض مشترك بين الإنسان والحيوان يسببه طفيل وحيد الخلية يدعى طفيل قندي المقوس. وسبب التسمية هو أن هذا الطفيل تم إكتشافه لأول مرة في نسيج حيوان قندي وخلية هذا الطفيل شكلها مقوس على شكل هلال في أحد جوانبها ، لذا سميت قندي نسبة للحيوان ومقوس لشكلها. القصة بدأت في معهد باستور بالعاصمة التونسية وهو مستشفى ومركز دراسات طبية بمدينة تونس عندما لاحظ مدير المعهد الطبيب الفرنسي شارل نيكول كائن مجهري على شكل هلال (قوس) في نسيج حيوان القندي خلال أبحاثه عن الأمراض المعدية عام 1907م.

وبعد عام من الدراسة والبحث نشر الطبيب شارل نيكول وزميله لويس مانسويكس شرحا مبدئيا عن هذا الطفيل المكتشف، وفي عام 1909م نشرا تقريراً مفصلاً عن هذا الطفيل وأطلقا عليه إسم طفيل قندي المقوس. وفي البرازيل إستطاع العالم “الفانسو سبلندور” من إكتشاف نفس الطفيل في نسيج الأرانب عام 1908م. وحيوان قندي نوع من أنواع القوارض يعيش في شمال إفريقيا وفي الصحاري الصخرية كصحراء جنوب تونس الصخرية وهو من الثدييات يشبه الى حد كبير حيوان الهامستر ولون فروه أصهب قريب الى لون البيئة التي يعيش فيها. ومرض داء المقوسات الذي ينقله هذا الطفيل يعتبر من أوسع الأمراض إنتشارا على الكرة الأرضية، إذ يقدر عدد المصابين بهذا الداء بأكثر من ثلث سكان العالم من البشر، وتتصدر فرنسا والبرازيل القائمة إذ يفوق عدد المصابين الـ 80% من السكان. أما الحيوانات فحدث ولا حرج إذ تقول أحد الإحصائيات عام 1997م بأن 69% من الأبقار في فرنسا مصابة و49% من الأبقار في مصر، أما إحصائيات عام 1993م فتؤكد على أن 92% من الأبقار مصابة في ايطاليا. وفي عام 1998م تقول الإحصائيات بأن 60% من الخراف مصابة في اندونيسيا و69% من الماعز مصابة في استراليا حسب إحصائية عام 1996م و 35% من الأرانب مصابة في الشيك عام 1981م.

دورة الحياة:

ينتقل طفيل قندي المقوس للإنسان بطريقتين الأولى عن طريق تناول اللحوم الملوثة بهذا الطفيل والتي لم يتم طهيها جيدا والثانية عن طريق إنتقال أكياس بيض هذا الطفيل الموجودة في براز القطط المصابة لجسم الإنسان من خلال الخضروات والفواكه والمياه الملوثة بهذه الأكياس. ويمكن أيضاً أن ينتقل عن طريق عملية نقل الدم الملوث الى الدورة الدموية للمريض. إحتاج الإنسان لعشرات السنين من الدراسات والبحث العلمي لفهم دورة حياة هذا الطفيل المعقدة، واكتشف أن طفيل قندي المقوس له مضائف وسطية وله مضائف نهائية. المضائف النهائية لهذا الطفيل هي العائلة السنورية حصراً ويتواجد فيها هذا الطفيل ليكمل بلوغه ويتكاثر في أمعائها وتخرج أكياس البيض لهذه الطفيليات مع براز هذه القطط. والعائلة السنورية تشمل القطط الأليفة بأنواعها وكذلك الأسود والنمور والفهود. ولا يمكن لهذه الطفيليات أن تصل حد البلوغ في أي حيوان آخر كعائل نهائي (مضيف نهائي) إلا في حيوان ينتمي للعائلة السنورية. ويتكاثر طفيل قندي المقوس بطريقتين تواصلية وغير تواصلية ، الغير تواصلية تتم في العائل الوسيط مثل الثدييات والطيور والإنسان فعندما يدخل طفيل قندي المقوس الى خلية العائل الوسيط وليكن فأراً أو طيراً يصنع له حويصلة ينقسم داخلها ويتكاثر حتى تموت الخلية وتنفجر ومن ثم تنتشر هذه الطفيليات الجديدة المنقسمة عن طريق الدم الى جميع أنسجة الجسم لهذا العائل الوسيط. أما التواصلية تتم في العائل النهائي أي في أحد افراد العائلة السنورية فعندما تدخل الطفيليات في أمعاء الجهاز الهضمي للسنور تتكاثر جنسيا بشكل كبير وقد ينتج سنور واحد وخلال أقل من ثلاث أسابيع عدة ملايين بيضة لتنتشر وكأنها جراثيم قادرة على تلويث البيئة وكل ما تصل اليه من الماء والتربة والفواكه والخضروات. وتخرج أكياس البيض بالملايين مع براز القطط سواء كان قطاً أو أسداً أونمراً أو غيره من حيوانات العائلة السنورية وتبقى في التربة لمدة طويلة حتى يأتي العائل الوسطي (المضيف الوسطي) ليتناول هذه الأكياس المجهرية المليئة ببيض طفيل قندي المقوس عن طريق تناول العشب من قبل القوارض والخراف والأبقار والأرانب والخنازير وغيرها والى الإنسان عن طريق تناوله لحوم هذه الحيوانات أو عن طريق الخضروات والفواكه المزروعة بأرض ملوثة بأكياس بيض الطفيليات. فالعائل الوسيط قد يكون إنساناً أو حيواناً أو طيراً. بالنسبة للإنسان ضعيف المناعة والمرأة الحامل يكونان أكثر عرضة للإصابة بمرض المقوسات الذي يسببه طفيل قندي المقوس ويشكل هذا الداء خطراً على حياة الإنسان عندما تهاجم هذه الطفيليات أنسجة عضلات الإنسان وجهاز أعصابه والقلب والرئة والعين والمخ. والعلاقة بين طفيل قندي المقوس والإنسان كعائل وسطي غير مفهومة جيداً حتى الآن لأن معظم البشر لديهم مناعة ولا تظهر عليهم أعراض مرض المقوسات ويعيش هذا الطفيل مستترا داخل جسم الإنسان لسنوات حتى تضعف مناعة الإنسان بعدها ينشط ويهاجم أنسجة وخلايا الإنسان.

 

دراسات وأبحاث:

منذ إكتشاف طفيل قندي المقوس ولمدة مائة وثمان من السنين وحتى الآن (2017م) تركزت الأبحاث لمحاربة داء المقوسات على معرفة دورة الحياة لهذا الطفيل الخطير على حياة الإنسان والحيوان، وإستطاعت هذه الدراسات أن تسلط الأضواء على علاقة طفيل قندي المقوس مع المضائف الوسطية وهذه المعرفة ساعدت كثيراً في الحد من إنتشار العدوى بهذا الطفيل. كما بدأت دراسة النظام المناعي لهذا الطفيل منذ عام 1940م ولهذا الطفيل الفضل في إخضاع الآف الأبحاث في جامعات ومراكز الأبحاث في شتى أنحاء المعمورة لدراسة علم المناعة ووضع تصورات دقيقة للدراسات المستقبلية في هذا المجال.  إن فهم نظام طفيل قندي المقوس المناعي وسلوكياته يساعد كثيراً لفهم مسببات الأمراض داخل الخلايا لذا كانت معظم الأبحاث تتمحور حول دراسة ما تطلقه الخلايا من بروتينات ثؤثر على سلوك الخلايا الأخرى بالإضافة الى دراسة مكونات الخلية والنظام المناعي المصاحب لها وإستجابت الإنسان والحيوان المناعية. وسيتمكن الإنسان في السنوات القادمة وبلا شك وهو ينهج هذا المنهج من الأبحاث من أن يصل لفهم أعمق للمناعة الفطرية والقدرة على التحكم في النظام المناعي للكائنات المجهرية وبالتالي يمكن تطوير لقاح وقائي يقف أمام إنتشار داء المقوسات وإيجاد علاج فعال للمرضى المتضررين من هذا الداء.  وقد أعلن المركز الطبي بجامعة شيكاجو في يوم 15 من يوليو من عام (2016) بأن فريقا من 39 باحثا من 14 معهدا علميا من أمريكا وفرنسا وبريطانيا قد وضعوا خارطة طريق لعلاج داء المقوسات يمكن أن تعجل في تطوير أدوية أفضل لهذا المرض العضال. خارطة الطريق هذه تعتمد على ثلاث بنود: الأول إعتماد الدراسات المقارنة بين طفيل قندي المقوس والطفيليات الأخرى التي تعيش في الدماغ. الثاني تطوير مركبات قادرة على شل طفيل قندي المقوس وعلاج التهابات الجهاز العصبي المركزي. الثالث الإقرار بأنه كلما زادت المعرفة بالمقوسات زادت المعرفة بالطفيليات التي تسبب أمراض اخرى كالملاريا وغيرها. ومن أغرب الأبحاث التي ظهرت مؤخرا تلك التي تؤكد على أن طفيل قندي المقوس يؤدي الى اضطراب النواقل العصبية في الدماغ ويعمل على زيادة الناقل العصبي الأساسي والأهم في الدماغ مما يؤدي الى خلل في عمل الأعصاب فترى الفأر المصاب بدل أن يهرب من القط يلجأ اليه. وأبحاث أخرى عديدة تؤكد أن البشر المصابين ولديهم مناعة لا تظهر عليهم أعراض المرض لكن تظهر عليهم العديد من الأمراض النفسية والعصبية والسلوكية.

السنوريات والفصيلة الكلبية:

يحق لنا أن نطلق العنان بخيالنا العلمي الى أقصى مداه كي نجمع شتات الأفكار وليكن هذا من التفكر لفهم نظام الخلقة والله يمدح المتفكرين. فماذا لو إفترضنا أن المضائف النهائية لطفيل قندي المقوس ليس العائلة السنورية وإنما العائلة الكلبية، ماذا سيحدث؟ وماذا سيكون عليه الوضع للمضائف الوسطية؟ وكيف سيكون موقع داء المقوسات من الإعراب؟ للإجابة على هذه الأسئلة الإفتراضية يجب علينا أن نتعرف جيدا على العائلة السنورية والعائلة الكلبية.

السنوريات من رتبة اللواحم من عائلة القطط وتشمل السباع كالأسود والنمور والفهود بالإضافة الى القطط المنزلية الأليفة. وهي حيوانات مستقلة عادة ما تكون وجوهها مستديرة وعيونها واسعة وذيولها طويلة. ولا يحتاجون لمكان واسع يعيشون فيه والقطط حيوانات ذكية ونظيفة وعدائية، وهي تزأر وتصطاد بمهارة عالية. بينما الفصيلة الكلبية تأكل اللحوم والأعشاب وغيرها وتشمل جميع أنواع الكلاب والثعالب والذئاب وهي حيوانات تعتمد على الغير ووجوهها فيها طول ويحتاجون لمساحات شاسعة للركض. والكلاب حيوانات أقل ذكاء ونظافة وعدائية من القطط واقل مهارة في الصيد وتنبح. وهناك فروقات خطرة بين العائلة السنورية والعائلة الكلبية تتعلق بدورة الحياة لطفيل قندي المقوس نذكر منها التالي:

  1. القطط لا تحتاج لمكان واسع كي تعيش بينما الكلاب تحتاج لمساحات شاسعة وبالتالي فالكلاب لها القدرة على نشر طفيل قندي المقوس إذا كانت مصابة على مساحات أكبر من الأرض.
  2. القطط حيوانات مستقلة وتعيش حياة إنفرادية الى حد كبير باستثناء الأسود بينما الكلاب إجتماعيين ويعيشون كجماعات وبالتالي يسهل انتقال الطفيليات بين المجموعة.
  3. الجهاز الهضمي للقطط أقصر من الجهاز الهضمي للكلاب لأنه يقتصر على اللحوم فقط لذا تتوفر مساحات أكبر لطفيل قندي المقوس للتكاثر والعيش في أمعاء الكلاب عنها في أمعاء القطط.
  4. أثبتت الدراسات الحديثة أن الكلاب معرضة للإصابة بالسرطان ضعف ما تتعرض له القطط لذا فالبيئة جيدة للطفيليات أن تهاجم أجساد الكلاب المريضة بضعف أعدادها من القطط.

هذه الفروقات كفيلة بنشر طفيل قندي المقوس في بقاع أكثر من العالم، والكلاب أقدر من القطط في نشر طفيل قندي المقوس الى المضائف الوسطية بسهولة ويسر لسهولة تواصلها مع الإنسان والحيوانات الأخرى ولا نبالغ إن قلنا أن كل المخلوقات تقع في دائرة الخطر لو أن أفراد العائلة الكلبية هي المضائف النهائية لطفيل قندي المقوس بدل العائلة السنورية. إنها حكمة الله سبحانه وتعالى وهي بلا شك واحدة من مصاديق النعم التي ذكرها الخالق في محكم آياته: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا).

الخاتمة:

الأبحاث المتواصلة لعشرات السنين حول طفيل قندي المقوس في أنحاء المعمورة تؤكد أن الإنسان المصاب بداء المقوسات ولديه مناعة لا تظهر عليه أعراض المرض لأن جهاز المناعة قادر على إيقاف نشاط الطفيل ومحاصرته، لكن طفيل قندي المقوس يعمل في الخفاء ويخادع جهاز المناعة ويتلاعب في النواقل العصبية في الدماغ ويتحكم في سلوك الإنسان ويحول تصرفاته الى تصرفات غير مألوفة وهي ما نسميها بحالات الغضب أو الأمراض النفسية، وإذا صحت هذه الأبحاث فإن هذا الطفيل هو المسؤول عن حالات الإكتئاب والأمراض العصبية وقد يكون هو السبب أيضاً وراء حالات العنف والعدوان والعناد والتهجم على الآخرين. فنحن أمام عدو خطير يتحكم في طريقة حياتنا ويتسلط على سعادتنا ويقودنا الى الشقاء. لكن يجب علينا أن لا نهلع خوفا فالله سبحانه وتعالى حفظنا بأن جعل المضائف النهائية لهذا الطفيل في العائلة السنورية، والإنسان عاش مع هذا الطفيل منذ القدم ولم ينقرض، بل تزداد أعداده بفضل نعمة النظام المناعي. وطفيل قندي المقوس أيضاً لا يرغب في القضاء على المضائف الوسطية ومنها الإنسان لأنه بكل بساطة لا يريد أن يخسر بيته ومكان إقامته. وينبغي علينا جميعا أن نتعرف على هذا العدو جيداً ونحاربه بالمزيد من الأبحاث وتطوير العلاجات والتطعيمات ولا نغفل أن نهتم بطبخ اللحوم جيداً وغسل أيدينا وكل ما نأكله من فواكه وخضار للوقاية من هذا الطفيل الشرس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.